Site icon Alyamania News

الابتعاث الحكومي.. حين تتحول المنح إلى امتيازات للنافذين

لم يكن ملف الابتعاث الخارجي في اليمن، خلال السنوات الماضية، مجرد ملف إداري شابه القصور أو اختلت فيه بعض الإجراءات، بل تحول، وفق ما يكشفه تقرير رسمي أعدته لجنة أكاديمية مكلفة بمراجعته، إلى نموذج صارخ لتغليب النفوذ والوساطة والمحسوبية على القانون، وإهدار مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في واحد من أكثر الملفات ارتباطاً بمستقبل التعليم والكفاءات الوطنية.

فالتقرير الذي أُنجز في فبراير 2023 ورُفع إلى رئاسة الوزراء، لا يتحدث عن مخالفات فردية أو حالات محدودة يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية، وإنما يرسم صورة مقلقة لمنظومة ابتعاث أُديرت، منذ انتقال وزارة التعليم العالي إلى العاصمة المؤقتة عدن عام 2016، خارج الأطر القانونية والمؤسسية، في ظل تعطيل اللجان التي نص عليها قانون البعثات والمنح الدراسية رقم (19) لسنة 2003.

وحين تُعطّل المؤسسات التي يفترض أن تراجع الطلبات وتضع المعايير وتراقب القرارات، يصبح الطريق مفتوحاً أمام التوجيهات الشخصية والتدخلات السياسية، وتتحول المنح الدراسية من حق تنافسي يُمنح للأكثر استحقاقاً وتفوقاً، إلى امتياز يُوزع وفق النفوذ والقرابة والوساطة، وربما الرشوة والتزوير.

الأخطر أن التقرير يوثق غياب أبسط مقومات الإدارة الرشيدة؛ فلا قاعدة بيانات إلكترونية موحدة للمبتعثين، ولا أرشيف منظم، ولا ملفات مكتملة يمكن الرجوع إليها، فضلاً عن امتناع بعض الجهات عن تسليم وثائق ومحاضر اجتماعات وقرارات مرتبطة بالابتعاث. وهي مؤشرات لا تعكس مجرد فوضى إدارية، بل تثير تساؤلات مشروعة حول حجم المعلومات التي جرى إخفاؤها، ومن المستفيد من استمرار إدارة ملف بمئات الملايين من الريالات بعيداً عن الشفافية والرقابة.

وتبدو المساعدات المالية، بحسب التقرير، الوجه الأكثر وضوحاً لهذا الخلل؛ إذ مُنحت في حالات كثيرة استناداً إلى توجيهات وتوصيات صادرة عن جهات وشخصيات نافذة، من دون إعلان أو مفاضلة أو معايير معلنة للاستحقاق. وهنا لا تعود المشكلة في مخالفة إجراءات قانونية فحسب، بل في تحويل المال العام إلى أداة للمجاملة السياسية وتوسيع شبكات الولاء، على حساب الطلاب الذين يملكون الكفاءة ولا يملكون الواسطة.

وتكشف الأرقام التي رصدها التقرير عن اختلال أكثر فداحة؛ إذ استحوذت 284 عائلة على أعداد كبيرة من المنح، بينها 508 حالات لأشقاء مبتعثين، فيما حصلت بعض الأسر على أكثر من 16 منحة دراسية، في وقت لم تحصل فيه بعض الجامعات الحكومية إلا على مبتعث واحد. ولا يمكن تبرير هذا التفاوت بوصفه مصادفة أو نتيجة طبيعية للتنافس الأكاديمي، بل يعكس خللاً عميقاً في توزيع الفرص وغياباً واضحاً لمبدأ المساواة.

كما أن ابتعاث طلاب لا يستوفون شروط الاستحقاق، أو حصلوا على معدلات متدنية، أو رسبوا في اختبارات المفاضلة، إلى جانب إصدار قرارات لملفات ناقصة، ورصد حالات تزوير في الشهادات والتوجيهات والتوقيعات، يكشف أن بعض القرارات لم تكن تستند إلى معيار أكاديمي أو قانوني. ويزداد الأمر خطورة مع وجود قضية منظورة أمام محكمة الأموال العامة في عدن تتعلق بأكثر من 80 توجيهاً وتوقيعاً مزوراً، بما يحول الملف من مجرد مخالفات إدارية إلى شبهات تستدعي المساءلة القضائية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.

أما ما عُرف بملف “الإضافات”، فيمثل نموذجاً آخر لاستنزاف المال العام؛ إذ بلغ عدد الإضافات خلال عام 2018 نحو 1565 إضافة، بكلفة قاربت 2.9 مليون دولار في الربع الواحد، فيما سجل الربع الثالث وحده 585 إضافة بكلفة سنوية تجاوزت 4.3 ملايين دولار. والأكثر إثارة للقلق أن عدداً من هذه الإضافات مُرر عبر توجيهات شخصية أو وثائق غير مكتملة، وبعضها استند إلى صور وطلبات أُرسلت عبر تطبيق “واتساب”.

كيف يمكن لدولة تعاني أزمة مالية خانقة، وتكافح لتأمين الرواتب والخدمات الأساسية، أن تسمح بإدارة ملايين الدولارات بهذه الآليات المرتجلة؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح مؤسسي بينما تُتخذ قرارات ابتعاث وتمويل خارج القنوات القانونية، ومن دون قواعد بيانات أو رقابة أو معايير واضحة؟

ولا تتوقف المشكلة عند آلية اختيار المبتعثين، بل تمتد إلى طبيعة التخصصات والوجهات؛ إذ رصد التقرير استمرار الابتعاث في تخصصات متوفرة داخل الجامعات اليمنية، رغم أن القانون يقصر الابتعاث على التخصصات النادرة، إلى جانب ابتعاث طلاب لدراسة تخصصات إنسانية ولغات في دول لا تمثل وجهات أكاديمية مناسبة، ومنح صادرة عن وزارة الدفاع في تخصصات لا ترتبط بالمجالين العسكري أو الأمني، فضلاً عن استمرار الابتعاث إلى السودان في تخصصات وصفها التقرير بأنها غير ذات جدوى.

ويتساءل مراقبون حول ما إذا كان الهدف من الابتعاث بناء كفاءات وطنية تلبي احتياجات الدولة، أم توفير امتيازات مالية ودراسية لفئات محددة؟ فالدولة التي تبتعث في تخصصات متاحة محلياً، وتستمر في تمويل طلاب لسنوات طويلة من دون ضوابط صارمة، لا تدير سياسة تعليمية، بل تدير ملفاً مفتوحاً للمصالح والاستثناءات.

وأكدووا أن استمرار صرف المساعدات لمبتعثين منذ عامي 2010 و2011، ومنح تمديدات متكررة خارج الأطر القانونية، يكشف أن الاستثناء تحول إلى قاعدة، وأن الوساطة أصبحت في كثير من الحالات بديلاً عن التقييم الأكاديمي والالتزام بالمدة المحددة للدراسة.

لكن الأهم من كل ما ورد في التقرير هو ما حدث بعد رفعه. فالتقارير لا تصنع إصلاحاً ما لم تتحول نتائجها إلى قرارات، والتوصيات لا تحمي المال العام ما لم تتبعها إجراءات للمحاسبة واسترداد الحقوق وتصحيح الاختلالات. وإذا بقي التقرير حبيس الأدراج، فإن ذلك يعني أن الدولة لم تكتفِ بالسماح بتراكم المخالفات، بل اختارت أيضاً تجاهل الأدلة التي وثقتها لجنة رسمية كلفت بمراجعة الملف.

إن إصلاح الابتعاث لا يبدأ بإصدار قرارات جديدة أو تشكيل لجان إضافية، بل بالاعتراف بحجم الخلل، ومراجعة جميع قرارات الابتعاث والمساعدات المالية، وإلغاء الامتيازات التي مُنحت خارج القانون، ومحاسبة المتورطين في التزوير والتلاعب، واسترداد الأموال التي صُرفت من دون وجه حق.

وشدد مراقبون على ضرورة إعادة تفعيل اللجان القانونية، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، وإعلان معايير الاختيار والمفاضلة على الملأ، وربط استمرار الابتعاث بالتفوق والالتزام الأكاديمي، وإغلاق الباب نهائياً أمام التوجيهات الشخصية والتدخلات السياسية.

وأكدوا أن المنحة الدراسية ليست مكافأة للنفوذ، ولا غنيمة توزع بين المقربين، ولا وسيلة لبناء الولاءات، بل إنها استثمار من المال العام في مستقبل البلاد، وأي نظام لا يضمن وصولها إلى الأكثر كفاءة واستحقاقاً، لا يهدر المال فقط، بل يهدر أيضاً فرص آلاف الطلاب ويقوّض ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.

وأشاروا إلى أن ما كشفه التقرير يجب ألا يكون نهاية النقاش، بل بداية مساءلة حقيقية: من اتخذ هذه القرارات؟ ومن سمح بتعطيل القانون؟ ومن استفاد؟ وأين ذهبت الأموال؟ والأهم، متى تتحول توصيات الإصلاح إلى إجراءات تضع حداً لمنظومة جعلت من الابتعاث امتيازاً للنافذين بدلاً من أن يكون بوابة لبناء كفاءات الدولة؟