Site icon Alyamania News

الاقتصاد في العهد الذهبي .. حين كانت اليمن دولة

ليست المقارنة بين اليمن في عهد الزعيم علي عبدالله صالح واليمن بعد 2011 ترفًا سياسيًا، ولا حنينًا عاطفيًا إلى الماضي، بل قراءة واقعية في مسار دولة سقطت بعدما كانت قائمة، فالأرقام لا تجامل، والمؤشرات لا تنتمي، والوقائع الصلبة تقول بوضوح اليمن عرفت في عهد صالح دولة واقتصادًا وتنمية، ثم عرفت بعده الانهيار الشامل.

في عهد الزعيم علي عبدالله صالح، كانت الدولة هي المرجعية، والمؤسسات هي الحاكمة، والاقتصاد يتحرك ضمن إطار وطني واضح، أما بعد 2011، فقد دخلت البلاد في طور التفكيك المنهجي، حيث أُسقطت الدولة تحت شعارات التغيير، ولم يُبنَ بديل، فكان الثمن اقتصادًا منهارًا، ومجتمعًا منكشفًا، وسيادةً ممزقة.

خلال أكثر من ثلاثة عقود، أدار صالح اقتصادًا لدولة نامية بإمكانات محدودة، لكنه اعتمد على التراكم والبناء التدريجي، توسعت البنية التحتية على امتداد الجمهورية، من الطرق الرئيسية إلى الطرق الريفية، فانتقل اليمن من جغرافيا معزولة إلى سوق وطنية مترابطة، هذه الطرق كانت أدوات إنتاج، ربطت المزارع بالمدن، وخففت كلفة النقل، وفتحت الأرياف أمام النشاط التجاري.

في الطاقة، ورغم الضغط، والجغرافيا اليمنية الموزعة بين أكثر من 113 ألف تجمعاً سكانياً أُنشئت محطات كهرباء كبيرة، وتم إدخال الغاز في منظومة الإنتاج، بما وفّر قاعدة أساسية للنشاط الصناعي والخدمي. أما النفط والغاز، فقد شكّلا العمود الفقري للاقتصاد الوطني، بعد بناء الإطار التشريعي، وإنشاء الموانئ وخطوط النقل، وتأمين السوق المحلية، ثم التصدير، فكانت الدولة تحصّل، وتعيد ضخ الإيرادات في الموازنة العامة.

الإنسان في قلب المعادلة

لم تكن التنمية في عهد صالح محصورة في الإسمنت والأنابيب، فالصحة والتعليم شهدا تحولات حقيقية. من بلد شبه خالٍ من المنشآت الصحية والكوادر، إلى شبكة واسعة من المستشفيات والمراكز الصحية، وكادر طبي بعشرات الآلاف. التعليم بدوره خرج من المركز إلى الأطراف، بمدارس ومعاهد وجامعات في كل محافظة، ما أسس لكتلة بشرية متعلمة، كان يُعوَّل عليها في المستقبل.

وفي الرعاية الاجتماعية، توسعت مظلة الدولة لتشمل أكثر من مليون مستفيد، في بلد يعاني هشاشة اقتصادية وبنية اجتماعية حساسة. كانت الدولة، رغم ضعفها، تحاول الإمساك بخيوط التوازن الاجتماعي.

 

ما بعد 2011: سقوط الدولة لا إصلاحها

ثم جاء 2011، لا كتحول إصلاحي، بل كلحظة كسر للدولة، تفككت المؤسسات، انهارت المنظومة الاقتصادية، وتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد حرب يثرى فيه أمراء وتجار الحروب والعصابات والمليشيات، فالعملة فقدت قيمتها، الديون تراكمت، والخدمات الأساسية انهارت.

ارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات كارثية، لا بفعل نقص الموارد فقط، بل بفعل غياب الدولة. الصحة والتعليم تحولا إلى عبء على المواطن، والرعاية الاجتماعية تلاشت، فيما انتعش اقتصاد الحرب والتهريب والمضاربة.

الأخطر من ذلك، أن اليمن انتقلت من اقتصاد إنتاجي نسبيًا، إلى اقتصاد معونات وتحويلات، بلا رؤية ولا سيادة مالية. لم تعد هناك سياسة نقدية موحدة، ولا مالية عامة فاعلة، ولا مؤسسات قادرة على التخطيط أو التنفيذ.

حين ننظر اليوم إلى المشهد الاقتصادي المنهار، ندرك أن المشكلة لم تكن في وجود الدولة، بل في إسقاطها. وأن اليمن، بكل ما لها وما عليها، عاشت في عهد علي عبدالله صالح زمن دولة قائمة، واقتصاد يعمل، ومجتمع متماسك نسبيًا، وما تلا ذلك لم يكن إصلاحًا، بل تفكيكًا انتهى بانهيار شامل.