تشير تحركات مليشيا الحوثي الأخيرة في عدد من الجبهات إلى تغير ملحوظ في نمط انتشارها العسكري، وسط مؤشرات على تصاعد المخاوف داخل الجماعة من احتمال تعرضها لعملية عسكرية واسعة، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن خيارات عسكرية لإعادة رسم خريطة الصراع.
وبحسب مصادر عسكرية، فقد دفعت المليشيا خلال الأسابيع الأخيرة بتعزيزات إلى عدة محاور قتالية، بالتزامن مع إنشاء تحصينات وخنادق ومواقع دفاعية جديدة في أكثر من جبهة، في خطوة تعكس، بحسب مراقبين، حالة من الحذر والارتباك في تقدير اتجاه أي هجوم محتمل.
ويقول محللون عسكريون إن الحوثيين، الذين اعتادوا خلال سنوات الحرب تركيز قواتهم في جبهات محددة وفق تقديراتهم للمخاطر، باتوا اليوم يوزعون قواتهم على نطاق أوسع، في محاولة لتأمين مختلف خطوط التماس، وهو ما قد يؤدي إلى تشتيت جزء من قدراتهم القتالية.
وتؤكد مصادر عسكرية يمنية أن الجماعة عززت وجودها في عدد من الجبهات الممتدة من الساحل الغربي وحتى محافظات مأرب والجوف وتعز والضالع، إلى جانب رفع مستوى الجاهزية في مناطق أخرى تخضع لسيطرتها.
وترى المصادر أن هذا الانتشار الواسع يعكس غياب معلومات دقيقة لدى الجماعة بشأن مكان وزمان أي تحرك عسكري محتمل، الأمر الذي دفعها إلى اعتماد سياسة الانتشار الدفاعي بدلاً من التركيز على جبهة بعينها.
ويقول مراقبون إن هذا الأسلوب، وإن كان يهدف إلى تقليل عنصر المفاجأة، إلا أنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى استنزاف القوات والموارد، خصوصًا في ظل اتساع مساحة الجبهات التي تتطلب الإمداد والدعم المستمر.
وبالتوازي مع إعادة الانتشار، واصلت المليشيا إنشاء تحصينات ومواقع دفاعية جديدة في عدد من المناطق، تضمنت حفر خنادق، وتعزيز المواقع الأمامية، وإعادة تجهيز بعض المواقع العسكرية.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه الإجراءات تعكس انتقال الجماعة إلى مرحلة يغلب عليها الطابع الدفاعي، بعد سنوات اعتمدت خلالها على المبادرة الهجومية في عدد من الجبهات.
ويشير هؤلاء إلى أن بناء التحصينات لا يعني بالضرورة قرب اندلاع عملية عسكرية واسعة، لكنه يعكس استعدادًا للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.
وفي موازاة التحركات العسكرية، كثفت مليشيا الحوثي حملات التجنيد في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستفيدة، بحسب مصادر محلية، من تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، لاستقطاب مزيد من الشباب والمراهقين.
وتقول المصادر إن الجماعة وسعت حملات التعبئة في عدد من المحافظات، عبر استقطاب عناصر جديدة وإلحاقها بدورات تدريبية قبل الدفع بها إلى الجبهات.
ويرى مراقبون أن تسريع وتيرة التجنيد قد يرتبط بمحاولة تعويض الخسائر البشرية التي تكبدتها الجماعة خلال السنوات الماضية، إلى جانب الحفاظ على مستوى الجاهزية في ظل انتشار قواتها على أكثر من محور.
وفي المقابل، تشير مصادر عسكرية إلى أن الحوثيين يواصلون تعزيز مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في المرتفعات المطلة على محافظة الحديدة ومضيق باب المندب، وصولًا إلى مناطق مطلة على خليج عدن.
كما تفيد المصادر بأن الجماعة عززت وجودها العسكري في جزيرة كمران المقابلة لميناء الصليف، حيث جرى، وفق هذه المصادر، تطوير مواقع تستخدم لإطلاق الطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والصواريخ.
ويرى مراقبون أن التحركات الأخيرة قد تعكس أحد احتمالين؛ الأول أن الجماعة تمتلك مؤشرات على احتمال حدوث تصعيد عسكري واسع، والثاني أنها تعيد تموضع قواتها ضمن ترتيبات دفاعية احترازية في ظل بيئة إقليمية متغيرة.
ويؤكد هؤلاء أن استمرار توزيع القوات على جبهات متعددة قد يفرض تحديات لوجستية على الحوثيين، لكنه يمنحهم في الوقت نفسه قدرة على الاستجابة السريعة لأي تطورات ميدانية.
ومع استمرار التوترات في البحر الأحمر، وتصاعد الحديث عن احتمالات تغير المشهد العسكري في اليمن، تبدو الجماعة أمام مرحلة تتسم بالحذر وإعادة الحسابات، في وقت تواصل فيه تعزيز انتشارها العسكري وتكثيف إجراءاتها الدفاعية، انتظارًا لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات.


