Site icon Alyamania News

من النور إلى العتمة.. كيف انقلب حال الكهرباء في عدن؟

يستحضر اليمنيون مرحلة شهد فيها قطاع الكهرباء توسعًا ملحوظًا واستقرارًا نسبيًا على مدى عقود مضت، قبل أن تتعرض المنظومة خلال السنوات الأخيرة لسلسلة من الحروب والتحديات المتراكمة، انعكست بشكل مباشر على خدمة الكهرباء في عدن وبقية المحافظات، وأشعلت موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية المنددة بالانقطاع المستمر للتيار.

خلال العقود الثلاثة الماضية، كانت عدن منارة مضيئة على سواحل بحر العرب، مدينة لا تنطفئ أنوارها، يتناغم فيها أزيز المصانع مع حركة الموانئ، وتتوشح أحياؤها التاريخية في صيرة وكريتر والتواهي بأضواء لا تغيب. كانت الكهرباء عصبًا حيويًا لا تستقيم الحياة بدونه، وركيزة أساسية لنشاط اقتصادي وتجاري متواصل على مدار الساعة.

اليوم، تبدلت الصورة بالكامل. غرقت عدن، ثغر اليمن الباسم، في ظلام دامس لا يقطعه سوى ألسنة اللهب المتصاعدة من إطارات مشتعلة في الشوارع، تعبيرًا عن غضب شعبي متنامٍ. وبين حاضر مأزوم وماضٍ أكثر استقرارًا، تتكشف ملامح قصة قطاع أرهقته الحروب، وكبلته التجاذبات السياسية، وتركته بلا حلول مستدامة.

وبالعودة إلى جذور منظومة الكهرباء في اليمن، تبرز مرحلة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح كأوسع مراحل التأسيس والتوسع في البنية التحتية الكهربائية. لم يقتصر المشروع آنذاك على عدن، بل امتد ليشكل شبكة ربط وطني وصلت شمال البلاد بجنوبها، في محاولة لجعل الكهرباء مشروعًا سياديًا جامعًا يتجاوز الجغرافيا والانقسامات.

وتشير الخطط والبيانات الرسمية لتلك المرحلة إلى قفزات نوعية، كان أبرزها إنشاء محطة مأرب الغازية، التي مثلت العمود الفقري لإنتاج الطاقة في البلاد، بطاقة بلغت 400 ميجاوات في مرحلتها الأولى، مدخلة اليمن عصر الطاقة الغازية الأقل كلفة والأعلى كفاءة. كما شملت المنظومة محطات استراتيجية أخرى في رأس كثيب بالحديدة، والمخا، والريان بحضرموت، وسيئون، وصولًا إلى محطة حزيز في صنعاء، ليصل إجمالي القدرة الإنتاجية إلى نحو 1378 ميجاوات.

وتوضح الإحصاءات أن الطاقة المركبة ارتفعت من 714 ميجاوات عام 1990 إلى 1532 ميجاوات في عام 2012، بنسبة نمو تقارب 115%. كما تضاعف عدد المشتركين بأكثر من 300%، من نحو 423 ألف مشترك إلى ما يزيد على مليون مشترك، ما انعكس بشكل ملموس على توسع الخدمة وتحسين مستوى التغطية.

ولم تكن هذه الأرقام مجرد بيانات جامدة، بل أسهمت في تحسين واقع الريف اليمني، حيث استخدمت الكهرباء كأداة لمكافحة الفقر وتحفيز النشاط الزراعي والخدمي، لترتفع نسبة المستفيدين في عموم البلاد، ريفًا وحضرًا، إلى نحو 47% بحلول عام 2005. ورغم ظهور اختناقات وعجز مؤقت أحيانًا بفعل النمو السكاني المتسارع، ظلت أعمال الصيانة والإصلاح حاضرة لمعالجة الأعطال والاختلالات.

في المقابل، يبدو المشهد الراهن في عدن وبقية المحافظات أشبه بمرثية طويلة لقطاع كان يومًا عنوانًا للتنمية. فالمدينة التي اعتادت النوم على هدير المكيفات في ذروة الصيف، باتت اليوم تعيش تحت رحمة انقطاعات قاسية تتجاوز 12 ساعة يوميًا مقابل ساعتين فقط من الخدمة، محولة الصيف من موسم للحياة والبحر إلى جحيم يومي ينهك كبار السن والمرضى، ويشل حركة الأسواق والمستشفيات، ويعمق معاناة المواطنين.

مشهد يعكس أزمة مركبة، تتجاوز نقص الوقود أو الأعطال الفنية، لتلامس جوهر إدارة الدولة وغياب الرؤية المستدامة لقطاع لا يمكن لأي مدينة أن تتنفس بدونه.