يعيش اليمن اليوم واقعاً مريرأً يتسم بالانقسام، والنزاعات المسلحة، وانهيار مؤسسات الدولة التي عصفت بالبلاد منذ عام 2011. وفي خضم هذا المشهد القاتم، يصبح من الضروري التطلع إلى الماضي القريب، ليس من باب التقديس أو البكاء على الأطلال، بل لاستلهام دروس عملية تعزز مسار التنمية الديمقراطية. وتبرز هنا تجربة انتخابات المحافظين التي جرت في 17 مايو 2008 كواحدة من أبرز المحطات التي قدمت نموذجاً مبكراً للامركزية السياسية والإدارية.
في ذلك اليوم، شارك قرابة 7581 عضواً من المجالس المحلية من أصل 7495 قوام الهيئة الناخبة (حيث تجاوز الحضور التوقعات بفعل الالتزام السياسي)، موزعين على 21 محافظة و333 مديرية، في خطوة تهدف أساساً إلى توسيع المشاركة الشعبية، ونقل الصلاحيات من المركز إلى السلطات المحلية، وتمكين المحافظات من إدارة شؤونها التنموية والخدمية بشكل مستقل وكفء.
لم تكن هذه الخطوة شأناً داخلياً فحسب، بل حظيت بصدى واسع وقوبلت بارتياح وترحيب كبيرين؛ حيث رأت فيها الدول المانحة مؤشراً إيجابياً على جدية اليمن في الإصلاح السياسي والمؤسسي، مما عزز من تدفق الدعم والمنح الدولية الموجهة للتنمية المحلية والمستدامة.
على الصعيد الإقليمي أثبتت التجربة أن استقرار اليمن واستقرار محيطه الخليجي والعربي يرتبطان بنيوياً بوجود دولة مؤسسات قوية وقادرة على استيعاب الخلافات سياسياً، وأن الاستقرار الداخلي عبر الديمقراطية يغلق الباب تماماً أمام التدخلات الخارجية ويحمي أمن الجوار.
محلياً أحدثت الانتخابات حراكاً فكرياً ومدنياً واسعاً. حيث شعر الشباب والطلاب والمرأة والمنظمات المدنية بأنهم شركاء في صناعة القرار المحلي، وتحول اهتمامهم من الإحباط والبطالة إلى الانخراط في النقاشات السياسية والتنموية، مما عزز لديهم قيم المواطنة الفاعلة.
ولعل الدرس الأبرز لتجربة انتخاب المحافظين في اليمن يكمن في قدرتها على تغيير وعي المجتمعات ذات الطابع القبلي أو المسلح. فقد قدمت الانتخابات بديلاً حضارياً أثبت من خلاله اليمنيون قدرتهم على إحلال “قوة المنطق” بدلاً من “منطق القوة”، وتكريس ثقافة الاحتكام لصناديق الاقتراع كطريق شرعي وحيد للوصول إلى السلطة وإدارة الشأن العام.
وبصرف النظر عن نتائج تلك الانتخابات في تلك الفترة وما شابها من كواليس سياسية، فإن المؤكد اليوم هو أنه لو استمر قطار الانتخابات للمحافظين في السير قدماً دونما تعثر أو إعاقة على مدار الثمانية عشر عاماً الماضية، لكان المشهد اليمني بلا شك أفضل حالاً بكثير مما هو عليه اليوم.
إن مشروع صندوق الانتخابات كان، وسيظل، أفضل بآلاف المرات من مشاريع الفوضى، والردة، وخرافات “الولاية”، و”الخلافة”، و”الإمارة” التي يُراد تسويقها اليوم كما لو أنها قدرٌ محتوم على شعبٍ ضارب في عمق التاريخ، عُرف عنه ممارسة الديمقراطية والشورى والتعددية في دوله القديمة قبل أن يعرفها العصر الحديث بأربعة آلاف عام.
إن ما يحتاجه اليمن اليوم لكسر طوق هذه المشاريع الماضوية وإعادة بناء ما دمرته الحرب، هو إحياء روح تلك التجربة بمزيد من الممارسات الديمقراطية، فبدلاً من حشد المواطنين والشباب في الساحات والميادين لغايات التعبئة الأيديولوجية أو الاستعراض العسكري والسياسي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ستحفز الانتخابات هؤلاء على التنافس في تقديم الحلول لمشاكل المياه، الكهرباء، التعليم، والصحة بين كل دورة انتخابية وأخرى.
كما إن التنافس الانتخابي وحمّى الانتخابات سيوجه طاقات المجتمع نحو التشييد، والتنمية المستدامة، وبناء المؤسسات، بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة من الجدالات العقيمة والحروب العبثية التي تهدم الحاضر والمستقبل.
إن تجربة انتخابات المحافظين في اليمن مايو 2008 تظل ومضة مضيئة تثبت أن اليمنيين يمتلكون الإرادة والجينات الحضارية لتبني الخيار المدني. واليوم، ونحن نبحث عن مخرج من نفق الصراعات المظلم، فإن العودة إلى مسار توسيع صلاحيات الحكم المحلي وانتخابات المحافظين والتنافس الخدمي الشريف ليست مجرد ترف سياسي، بل هي طوق النجاة الوحيد لإعادة إعمار اليمن واستعادة هويته الجمهورية الشوروية الأصيلة.

