Site icon Alyamania News

المؤتمر الشعبي العام.. حين تتحول الفكرة السياسية إلى روح وطنية

في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام وبعيداً عن الأبجديات السياسية التي شكلت ركائز تأسيسه، وعن الميثاق الوطني والبرامج والرؤى التي صاغت ملامح تجربته، تبقى هناك زاوية أكثر عمقاً في قراءة تجربة المؤتمر، تتمثل في تلك «الروح» التي تشكلت مع المشروع السياسي وتحولت، مع مرور السنوات، إلى فكرة حاضرة في الوعي الجمعي لقطاع واسع من اليمنيين.

فالمؤتمر، لم يكن مجرد تنظيم سياسي أضيف إلى قائمة الأحزاب، بل محاولة لصياغة مساحة وطنية واسعة تستوعب اختلافات المجتمع وتباين توجهاته، وتضع فكرة الوطن فوق الانتماءات الضيقة، في سياق التحولات التي شهدها اليمن منذ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وما رافقها من تحولات سياسية واجتماعية وفكرية.

هذه الروح لم تتأسس على البرامج السياسية وحدها، وإنما على منظومة من القيم التي قدمها المؤتمر باعتبارها أرضية مشتركة بين اليمنيين؛ التعايش، والسلام، والتعاضد، واحترام التنوع، وصون كرامة الإنسان وحقه في الاختلاف.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اتساع القاعدة الاجتماعية التي تمكن المؤتمر من بنائها خلال عقود، إذ لم يقتصر حضوره على النخب السياسية والثقافية، وإنما امتد إلى قطاعات مختلفة من المجتمع، من الموظفين والمهنيين والمزارعين والعمال والحرفيين، إلى جانب الشخصيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وقد شكل هذا التنوع أحد أبرز عناصر قوة المؤتمر، لأنه قدم نفسه كإطار قادر على جمع أطراف متباينة تحت مظلة سياسية واحدة، بدلاً من تحويل الاختلافات الاجتماعية والمناطقية إلى حواجز تفصل اليمنيين عن بعضهم.

في التجربة السياسية اليمنية الحديثة، ارتبط المؤتمر بصورة وثيقة بالانتقال إلى التعددية السياسية والمنافسة الانتخابية، وهي مرحلة فتحت المجال أمام اليمنيين للتعبير عن خيارات سياسية مختلفة، وأنتجت حالة من التنافس التي ساهمت في تحريك الحياة السياسية وإعادة تشكيل الوعي العام.

وكانت المنافسة السياسية، جزءاً من تجربة ديمقراطية أوسع، أتاحت للمجتمع اختبار البرامج والأفكار ومساءلة القوى السياسية ومقارنة أدائها، ومن هذه الزاوية، لم تكن الديمقراطية مجرد شعار سياسي، وإنما إحدى الأدوات التي ساهمت في تغيير كثير من المفاهيم التي حكمت الحياة العامة، ودفعت المجتمع إلى المشاركة بصورة أكبر في صناعة القرار.

مواجهة الانقسامات الاجتماعية

من أبرز الأفكار التي ارتبطت بخطاب المؤتمر تقديم الدولة والمواطنة باعتبارهما مساحة تتجاوز الانتماءات الضيقة، فالمجتمع اليمني، بتنوعه الجغرافي والاجتماعي، كان بحاجة إلى مشروع سياسي يقلل من تأثير المناطقية والعنصرية والمذهبية والسلالية، ويؤكد أن الحقوق والواجبات لا ينبغي أن تتحدد وفق الأصل أو المنطقة أو الانتماء الاجتماعي.

المؤتمر.. من برنامج إلى حالة سياسية

ولعل أحد أهم عناصر تجربة المؤتمر يتمثل في أنه لم يبق، بالنسبة لأنصاره، مجرد مجموعة من النصوص والبرامج السياسية، وإنما تحول إلى حالة سياسية واجتماعية امتدت داخل المجتمع، ففكرة «المؤتمر» أصبحت مرتبطة لدى قطاعات واسعة من اليمنيين بفكرة الدولة والجمهورية والوحدة والتعددية، وبمرحلة طويلة من التحولات التي شهدتها البلاد.

وهذه المكانة لم تأتِ من الخطاب وحده، وإنما من تراكم تجربة سياسية وتنظيمية طويلة شاركت فيها شخصيات من خلفيات اجتماعية ومهنية وفكرية متعددة.

اليوم، تبدو الحاجة إلى استعادة تلك الروح أكثر إلحاحاً، ليس باعتبارها عودة إلى الماضي، وإنما باعتبارها محاولة لاستعادة القيم التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة بين اليمنيين.

فالوطن الذي أنهكته الحرب والانقسام يحتاج إلى خطاب سياسي يعيد الاعتبار للتعايش والتعددية، ويضع المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، ويرفض تحويل الاختلاف السياسي والاجتماعي إلى مبرر للصراع والإقصاء.

وهنا تبرز أمام المؤتمر مسؤولية خاصة، بحكم تاريخه وانتشاره وتجربته الطويلة، تتمثل في إعادة تقديم نفسه كقوة سياسية قادرة على الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، وإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.

وفي ظل الحروب والصراعات التي تعصف بالبلد قد تكون المهمة الأصعب هي إعادة بناء المساحة الوطنية التي تسمح لليمنيين بالاختلاف دون اقتتال، والتنافس دون إقصاء، والتعايش دون خوف، وهذه هي من بين أهم القيم التي رسخها المؤتمر الشعبي العام خلال تجربته السياسية.

 

Exit mobile version