كشفت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، عن تشكيل “محور إرهابي جديد” يمتد بين اليمن والقرن الأفريقي، مهددًا الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، وقدمت الوزيرة أربعة مقترحات للتعامل مع هذا التهديد، بهدف مساعدة اليمن في تأمين مستقبل الشحن العالمي.
وفي مقال نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، أوضحت الزوبة أن سيطرة الحوثيين على جزيرة ميون تأتي ضمن استراتيجية يجري تنفيذها منذ سنوات، وأن القوى والشبكات التي تقف خلف هذا التحرك قد تكون ذات أهمية تفوق السيطرة على الجزيرة نفسها. وأشارت إلى أن شبكة الجماعات المتحالفة مع إيران ووكلائها في المنطقة شهدت تراجعات وضربات خلال الفترة الماضية، إلا أن أحد مكوناتها، وهو جماعة الحوثيين، لم يتفكك بل تعزز نفوذه وصعد ميدانيًا.
وأكدت الوزيرة أن الحوثيين، الذين كانوا يعتمدون في البداية على طهران، أصبحوا الآن جزءًا من شبكة إرهابية يمكن تسميتها «محور البحر الأحمر»، والتي تسيطر على جانبي مضيق باب المندب. ورأت أن فهم طبيعة هذا المحور يعد أمرًا ضروريًا قبل اتخاذ أي قرارات أو سياسات للتعامل مع التطورات الراهنة. وأطلقت وزيرة الخارجية اليمنية اسم “محور البحر الأحمر” لوصف شبكة تضم الحوثيين وجماعات مسلحة أخرى في القرن الأفريقي، بما في ذلك حركة الشباب في الصومال.
وأوضحت أن هذه الشبكة تتجاوز الارتباط التقليدي بإيران، وتستند إلى علاقات وتعاون عسكري وأمني عابر للحدود. ويتمركز هذا المحور على جانبي مضيق باب المندب ويمتد إلى القرن الأفريقي، وتشارك فيه جماعات لا تجمعها بالضرورة أيديولوجية واحدة، لكنها تتعاون لتحقيق أهداف مشتركة قد لا يتوقعها المراقبون الخارجيون. ووفقًا لوزيرة الخارجية، فإن هذه الشبكة لا تعتمد على جهة راعية واحدة للدعم، وقد تخلت عن بعض الاعتبارات الأيديولوجية التي كانت تحدد سابقًا معايير التعاون. وتشبه هذه البنية في بعض جوانبها تنظيم القاعدة، الذي سبق أن تعاون مع إيران رغم وجود تباينات مذهبية وأيديولوجية عميقة بين الطرفين.
ورأت الوزيرة بأن، التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية لا يقتصر على تبادل المنافع أو المصالح الآنية، بل يمثل استراتيجية متعمدة لتوسيع النفوذ الإقليمي. ويعتبر أن الهدف الأساسي كان السيطرة على مضيق باب المندب. وتضيف أن القدرة على رفع كلفة التجارة العالمية متى شاءت هذه الجماعات تمنحها نفوذًا لا يمكن تحقيقه بمجرد السيطرة على الأراضي، إذ تصبح قوة يصعب استهدافها دون تداعيات. وبحسب المقال، فإن هذه الجماعات، سواء احتفظت بالمناطق التي سيطرت عليها أم لا، أصبحت تمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي إعادة النظر في حساباته وخططه المستقبلية.
وأشارت الوزيرة بالقول إن الشبكة التي يقودها الحوثيون قد تكون أكثر استدامة من الشبكات التي سبقتها، وقارنتها بما يُعرف بـ”محور المقاومة” الإيراني، واعتبرت أن الأخير كانت له حدود واضحة تتمثل في وجود راعٍ واحد وأيديولوجية واحدة ومركز سياسي يمكن ممارسة الضغوط عليه. أما “محور البحر الأحمر”، يفتقر إلى هذه القيود، إذ تتراجع فيه الاعتبارات المذهبية والعقائدية لصالح هدف مشترك يتمثل في مواجهة الخصوم المشتركين، وهذا يجعل الشبكة أكثر تعقيدًا وصعوبة في التفكيك، خصوصًا أنها تمتلك مصادر تمويل خاصة بها من أنشطة التهريب والابتزاز.
واستندت الوزيرة في مقالها إلى تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن، قائلة إنها توثق تعاونا بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال يتجاوز عمليات التهريب، ويشمل نقل الأسلحة وتنفيذ عمليات مشتركة وتبادل الخبرات في مجال الطائرات المسيّرة. كما أشارت إلى إرسال مهندسين حوثيين إلى الصومال لتدريب أفراد على تعديل الطائرات المسيّرة، وتدريب مقاتلين من حركة الشباب في معسكرات حوثية، فضلا عن وجود أفراد من تنظيم القاعدة إلى جانب أجهزة الاستخبارات التابعة للحوثيين.
وقالت إن الاستخبارات الصومالية اعترضت اتصالات بين الحوثيين وحركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية، مضيفة أن الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب الصادرة في مايو/أيار الماضي صنفت التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال تحالفا ناشئا ضمن بيئة التهديد الحالية. ووفق خبراء أمنيين وعسكريين، باع الحوثيون أسلحة إلى حركة الشباب الصومالية، ودربوا المئات من مقاتليها على استخدام الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وسافروا بشكل متكرر إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة الحركة في جنوب الصومال.
ولم البحر الأحمر مجرد مصدر مخاطر يمكن احتساب كلفتها ضمن حركة التجارة العالمية، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في بنية التجارة الدولية نفسها. فشركات الشحن اضطرت خلال العامين الماضيين إلى تحويل مسارات السفن عبر رأس الرجاء الصالح مما رفع كلفة التأمين. هذه التكاليف فُرضت في فترة كان الحوثيون قادرين خلالها فقط على تهديد المضيق من المرتفعات المطلة عليه، أما اليوم، ومع سيطرتهم على الساحل اليمني الغربي لم يعودوا يهددون الممر الملاحي من بعيد، بل أصبحوا موجودين فيه ويؤثرون عليه بشكل مباشر.
وقالت وزيرة الخارجية “هذه المعطيات كانت موجودة قبل السيطرة على جزيرة ميون، إلا أن ما كان غائبًا، هو الإرادة السياسية للتحرك والتعامل معها”. وقالت وزيرة الخارجية اليمنية “ما يحتاجه اليمن ليس مؤتمراً آخر لجمع التبرعات، بل أربعة أمور”. نلخصها كالتالي: الاعتراف بهذه الشبكة تنظيما مترابطا وإدراجها في قوائم العقوبات، تبادل المعلومات الاستخبارية بين اليمن والقرن الأفريقي، دعم القوات التي تقاتل الحوثيين في تعز ومأرب والجوف، وعدم مساواة الحكومة اليمنية الشرعية بجماعة الحوثيين.
بالنسبة للإجراء أشارت، إلى ضرورة التعامل مع “محور البحر الأحمر” كشبكة واحدة مترابطة، وليس بمجموعة أطراف منفصلة، بحيث يصبح الوسطاء والمنسقون والممولون لهذه الشبكة أهدافًا للعقوبات والإجراءات الدولية. وطالبت بضرورة تفعيل الربط والاستخبارات المشتركة بين جانبي البحر الأحمر والقرن الأفريقي لملاحقة الشبكات المسلحة، وتمكين الجيش اليمني من أداء دوره في حماية خطوط الملاحة الدولية. وشددت الوزيرة على ضرورة تقديم دعم ميداني مباشر ومستدام للقوات الحكومية التي ما زالت تقاتل في الجبهات الداخلية في تعز ومأرب والجوف. أما الأمر الرابع – أكدت الوزيرة- على ضرورة وضع حد لما وصفته بالنهج السائد في بعض العواصم الغربية وأروقة الأمم المتحدة، في التعامل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة مسلحة مصنفة إرهابية باعتبارهما طرفين متكافئين يمكن التعامل معهما بالطريقة نفسها.
وقالت: “لهذا النهج ثمنًا، وقد رأى العالم ذلك في باب المندب” وأشارت إلى تصريح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الذي قال إن ما حدث في باب المندب لا يُعد شأنًا يمنيًا خالصًا. وقالت الوزيرة، أن القوات اليمنية تؤدي مهامها في اعتلاء السفن وتفتيشها داخل مياهها الإقليمية، لكنها لا تستطيع وحدها فرض مراقبة دقيقة ومستمرة على ساحل يمتد نحو 1800 ميل بحري. ونجحت القوات البحرية وخفر السواحل اليمني خلال العام الجاري في اعتراض شحنات متتالية من الأسلحة والعتاد المهرب، شملت أنظمة توجيه للطائرات المسيّرة ومكونات لزوارق مفخخة وصواريخ مضادة للدبابات.
وكشفت الوزيرة اليمنية، أنه في أغسطس/آب الماضي تمكنت القوات اليمنية من اعتراض سفينة كانت تنقل مكونات لطائرات مسيّرة انطلقت من جيبوتي، وهو ما أدى، إلى كشف شبكة تُدار من طهران وتقف وراء أكثر من عشر شحنات مرت عبر ميناء بندر عباس الإيراني. وأشارت، بأنه عندما أغرق قارب مسيّر تابع للحوثيين سفينة تجارية ترفع العلم الهندي، كان خفر السواحل اليمني هو من أنقذ 14 بحارا من طاقم السفينة. وأكدت أن هذه العمليات نُفذت رغم الإمكانات المحدودة، وبميزانية لا تمثل سوى جزء بسيط مما تعتبره أي قوة بحرية كافيًا للقيام بمهام مماثلة، وذلك بالتزامن مع استمرار المعارك لاستعادة السيطرة على المناطق التي فقدتها الحكومة.
واستعادت وزيرة الخارجية، جانبًا من تجربتها الشخصية، عندما كانت نائب الأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني، أشارت أن الحوثيين شاركوا في الحوار، إلا أنهم في نهاية المطاف رفضوا المخرجات وسيطروا على صنعاء. استغرق بناء شبكة الوكلاء الإيرانية نحو 10 سنوات وهي تتشكل على مرأى من الجميع، بينما كان العالم منشغلًا بالجدل حول ما إذا كانت موجودة بالفعل أم لا -وفق الوزيرة- أما “محور البحر الأحمر” لم يحتج إلى كل ذلك الوقت ليبرز إلى الواجهة. وأكدت وزيرة الخارجية اليمنية إن دعوتها لا تستند إلى الرواية اليمنية وحدها، بل إلى معطيات ووثائق متاحة للعلن ومثبتة في تقارير وجهات أخرى. وقالت “إن المطلوب هو النظر إلى هذا المحور باعتباره منظومة مترابطة واحدة، ويتم التعامل معه على هذا الأساس، وليس ككيانات منفصلة”. واختتمت المقال بالقول “اليمن هو المكان الذي سيتحدد فيه مستقبل البحر الأحمر وأحد أهم طرق التجارة في العالم. ونحن نفضل ألا نقرر ذلك بمفردنا”.

