قال تحليل صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إن جماعة الحوثي تبدو في حالة استعداد متزايد لاحتمال الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة، في ظل تطورات الحرب الجارية مع إيران ومتابعتها عن كثب لما يحدث في الإقليم.
ونقل التحليل عن الباحثة الأولى في المركز، ميساء شجاع الدين، أن مؤشرات هذا الاستعداد تتجلى في التعبئة العسكرية للجماعة، وتصاعد الخطاب الإعلامي، وخطب زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، حيث أكد مراراً استعداد الجماعة للتدخل إذا اقتضت الظروف.
وأوضح التحليل أن الحوثيين لم يتخلوا عن طموحهم في لعب دور إقليمي، وأن كلفة تدخلاتهم السابقة لا يُرجح أن تمنعهم من الانخراط مجدداً في صراعات المنطقة، رغم أن الدعم العلني لإيران قد لا يحظى بقبول داخلي واسع مقارنةً بالدعم الذي أعلنته الجماعة لغزة، والذي لقي تأييداً أكبر لدى الرأي العام اليمني.
وبحسب شجاع الدين، فإن قرار تدخل الحوثيين يرتبط بدرجة كبيرة بالحسابات الاستراتيجية الإيرانية. وفي المرحلة الراهنة قد لا تكون طهران بحاجة إلى مشاركة مباشرة من الجماعة، نظراً لقربها الجغرافي من دول الخليج وإسرائيل، إلا أن تدخل الحوثيين قد يصبح مطروحاً في حالتين رئيسيتين:
الأولى إذا قررت إيران توسيع الصراع إلى البحر الأحمر أو محاولة إغلاق مضيق باب المندب، والثانية في حال تصاعد الحرب إقليمياً، خصوصاً إذا دخلت السعودية بشكل مباشر في المواجهة، ما قد يضع الحوثيين في موقع يسمح لهم بتنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي السعودية وربما عمليات برية عبر الحدود.
ولفت التحليل إلى أن أحد الجوانب الجوهرية في هوية الحوثيين يتمثل في تصورهم لأنفسهم كحركة عابرة للحدود وليست مجرد فاعل محلي يمني، وهو ما يجعل من الصعب عليهم النأي بأنفسهم عن صراع إقليمي واسع إذا استمر أو توسع، خشية تقويض التزاماتهم الأيديولوجية أمام قواعدهم.
وأشار التحليل إلى أن الاستثمار الإيراني طويل الأمد في الحوثيين، الذي تعزز بعد حرب غزة وتزايد عقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو/حزيران، لم يكن مبنياً على سوء تقدير، إذ تتوقع طهران تحقيق عوائد استراتيجية ملموسة من هذا الاستثمار في حال اندلاع مواجهة إقليمية أوسع.
واستعرض التحليل سرعة انخراط الحوثيين في التصعيد عقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث أعلنوا دعمهم العسكري والسياسي لغزة خلال أقل من ثلاثة أيام، وأطلقوا أول صاروخ باتجاه إسرائيل في 19 أكتوبر، قبل أن يقوموا بعد نحو شهر بالاستيلاء على سفينة “Galaxy Leader” وبدء عمليات استهداف الملاحة في البحر الأحمر.
واعتبرت شجاع الدين أن هذا التحرك السريع جاء نتيجة سوء تقدير مشترك بين الحوثيين وأطراف أخرى في ما يُعرف بمحور المقاومة، الذين اعتقدوا أن حرب غزة لن تطول وأن تدخلهم لن يترتب عليه ثمن كبير. غير أن القضية الفلسطينية، بثقلها العاطفي في العالم العربي، وفرت للجماعة غطاءً سياسياً وشعبياً واسعاً عزز من شرعيتها وتجاوز مؤقتاً الشكوك العربية تجاه الطموحات الإقليمية لإيران.
وأضاف التحليل أن هذا التوجه يتسق مع الطموحات الإقليمية المتنامية للجماعة، إذ كان الحوثيون خلال حربهم مع التحالف الذي تقوده السعودية بين عامي 2015 و2022 يميلون إلى التقليل من حجم علاقتهم بإيران وحلفائها، في محاولة لتقديم أنفسهم كحركة وطنية تقاوم تدخلاً خارجياً.
غير أن هذا الخطاب تغيّر بشكل واضح بعد خطاب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما أعلن صراحة أن الجماعة جزء من تحالف إقليمي أوسع تقوده إيران.
وختم التحليل بالإشارة إلى أن اندفاع الحوثيين في ذلك الوقت كان مدفوعاً بطموحاتهم الإقليمية والتزامهم العاطفي بالقضية الفلسطينية، إلى جانب قلة خبرتهم مقارنةً بحزب الله في التعامل مع القوة العسكرية الإسرائيلية. إلا أن الجماعة تكبدت منذ ذلك الحين خسائر عسكرية واقتصادية ملموسة نتيجة العمليات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى تصاعد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالعقوبات واستهداف مصادر تمويلها.


