مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتسع رقعة المعاناة الاقتصادية في مختلف المناطق اليمنية، سواء في المحافظات المحررة أو تلك الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، وسط انهيار القدرة الشرائية وارتفاع غير مسبوق في أسعار الأضاحي والسلع الأساسية، ما جعل العيد يتحول لدى كثير من الأسر إلى عبء ثقيل بدل أن يكون مناسبة للفرح.
في المحافظات المحررة مثل عدن وتعز ومأرب، تشهد أسواق المواشي حركة مزدحمة لا تعكس بالضرورة قوة شراء، بل تعكس حالة “فرجة” وحيرة يعيشها المواطنون. فقد قفزت أسعار الأغنام والماعز إلى مستويات تتراوح بين 180 ألفاً و300 ألف ريال يمني، فيما تجاوزت الخراف الكبيرة حاجز 450 ألف ريال، وهو ما يفوق قدرة الموظف الحكومي الذي لا يتجاوز راتبه في كثير من الحالات 80 ألف ريال شهرياً، أي أن شراء أضحية واحدة قد يعادل دخل عدة أشهر.
ولجأت بعض الجهات والمؤسسات إلى حلول بديلة، بينها بيع أضاحٍ مستوردة لموظفيها بنظام التقسيط يمتد حتى عشرة أشهر، في محاولة لتخفيف الضغط، بينما انتشرت في الأسواق ممارسات غش وتلاعب بالمواشي، أبرزها ما يصفه المواطنون بـ”نفخ المواشي” لزيادة وزنها ظاهرياً، في ظل غياب رقابة فاعلة. كما اتجهت العديد من الأسر إلى شراء اللحم بالكيلو يوم العيد أو الاعتماد على المساعدات الخيرية كخيار أخير.
وفي أسواق الملابس الجاهزة في الشيخ عثمان وكريتر بتعز وعدن، إضافة إلى أسواق تعز، سجلت الحركة التجارية نشاطاً ملحوظاً، لكنه بقي في معظمه للاطلاع على الأسعار أكثر من الشراء الفعلي، إذ تتراوح كلفة تجهيز طفل واحد بملابس العيد بين 60 ألفاً و90 ألف ريال، ما دفع كثيراً من الأسر إلى التوجه نحو أسواق الملابس المستعملة كبديل اقتصادي.
ولا يختلف المشهد كثيراً في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تتفاقم الأزمة بشكل أعمق نتيجة استمرار انقطاع الرواتب وفرض الجبايات والضرائب غير الرسمية، ما أدى إلى انهيار حاد في القوة الشرائية. وتشير مصادر محلية إلى أن الأسواق هناك تعاني من ركود شديد، رغم توفر السلع، بسبب غياب السيولة النقدية لدى المواطنين، في وقت تتصاعد فيه أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل مستمر، خاصة الأرز والسكر والدقيق.
كما أدت القيود المفروضة على حركة التجارة والرسوم الإضافية المفروضة على النقل والتجار إلى رفع الأسعار بشكل إضافي، ما ضاعف من معاناة الأسر الفقيرة والمتوسطة، التي باتت عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات العيد، بما في ذلك “جعالة العيد” من الحلويات والمكسرات، حيث تم استبدال الأصناف المستوردة بالأرخص سعراً مثل الفول السوداني والحلويات المحلية.
وبينما تبدو الأسواق ممتلئة بالبضائع في مختلف المناطق، إلا أن المشهد الحقيقي يعكس فجوة واسعة بين العرض والقدرة الشرائية، حيث يعيش المواطن اليمني “نصف فرحة” في أفضل الأحوال، وسط غياب الحلول الاقتصادية واستمرار الانقسام المالي وتدهور العملة، ما يجعل الأعياد تمر هذا العام بثقل معيشي غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.


