في السابع والعشرين من أبريل من كل عام، يستحضر اليمنيون واحدة من أنصع محطات تاريخهم السياسي الحديث، يوم قرر الشعب أن يكون مصدر السلطة، وأن تُدار الدولة بالإرادة الحرة لا بالوصاية، وبصناديق الاقتراع لا بفوهات البنادق. إنه يوم الديمقراطية اليمنية التي وُلدت من رحم الوحدة المباركة في 22 مايو 1990، بوصفها المشروع الوطني الأكبر الذي أعاد لليمني كرامته السياسية وحقه في الاختيار.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء ثمرة رؤية سياسية قادها الزعيم علي عبدالله صالح، الذي رعى مسار التحول الديمقراطي، وأرسى قواعد التعددية السياسية، وفتح المجال أمام كل القوى الحزبية والوطنية للمشاركة العلنية في العمل السياسي، في سابقة غير معهودة في تاريخ اليمن الحديث. وتحت هذه الرعاية، انتقل اليمن من منطق الحزب الواحد والسلطة المغلقة، إلى فضاء سياسي مفتوح، يحتكم فيه الجميع إلى الدستور والقانون.
كان إقرار دستور دولة الوحدة عبر استفتاء شعبي عام 1991، أول تجسيد عملي لهذا الخيار الديمقراطي، حيث قال اليمنيون كلمتهم بحرية، وأسسوا لعقد اجتماعي جديد، ضمن حرية الرأي، والمساواة، والتعددية الحزبية، وحق إنشاء التنظيمات السياسية والنقابية. ومن رحم هذا الدستور، وُلدت تجربة سياسية ضمت أكثر من 22 حزبًا وتنظيمًا، تنافست جميعها تحت سقف الدولة، واحتكمت إلى صندوق الانتخابات كوسيلة وحيدة للوصول إلى السلطة.
وجاء 27 أبريل 1993 ليترجم هذا المسار إلى واقع ملموس، في أول انتخابات برلمانية حرة ومباشرة، شهد لها الداخل والخارج بالنزاهة والشفافية. يومها، عاش اليمنيون عرسًا ديمقراطيًا حقيقيًا، شارك فيه الجميع دون إقصاء، وتجلت فيه معاني الشراكة الوطنية، واختيار الشعب لمن يمثله بإرادة خالصة، بعيدًا عن الإكراه أو الوصاية.
وعلى مدى قرابة 19 عامًا، واصل اليمن مسيرته الديمقراطية عبر استحقاقات رئاسية وبرلمانية ومحلية متتالية، رسخت مبدأ التداول السلمي للسلطة، وجعلت من الديمقراطية خيارًا وطنيًا لا رجعة عنه، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي واجهتها الدولة الناشئة. وكان اليمن، بشهادة كثير من المراقبين، واحدًا من “الديمقراطيات الناشئة” الواعدة في المنطقة.
غير أن هذا المسار تعرض لاحقًا لعملية استهداف ممنهجة، قادتها قوى سياسية تخلت عن منطق الدولة، وانتهت بتمكين المليشيا الحوثية من الانقلاب على الشرعية والجمهورية، وإلغاء الديمقراطية، واستبدالها بمشروع ظلامي قائم على السلالة والولاية واحتكار الحقيقة والسلطة. وهكذا، أُجهض الحلم، وغُيّبت الحريات، وصودرت إرادة الشعب، وعاد اليمن إلى مربع الاستبداد والفوضى.
اليوم، تحل ذكرى 27 أبريل واليمن يعيش واحدة من أقسى مراحله، لكنها تظل شاهدًا على أن هذا الشعب عرف الديمقراطية، ومارسها، وحماها يومًا ما، وأن ما سُرق بالقوة لا بد أن يُستعاد بالإرادة. فالديمقراطية التي رعاها الزعيم علي عبدالله صالح، ومثّلت قارب نجاة لليمن، ليست صفحة من الماضي، بل مشروع مستقبل، وخيارًا وحيدًا لبناء دولة عادلة، حديثة، تحكمها إرادة الشعب لا سطوة السلاح.


