كشف تقرير بحثي أصدرته أخيرًا مؤسسة “Century International” الأمريكية ومشروع “XCEPT” البريطاني أن التقديرات المتحفظة تشير إلى أن إجمالي التأثير الاقتصادي للهجمات التي شنّها الحوثيون في البحر الأحمر يتجاوز 200 مليار دولار.
وأكد التقرير الذي حمل عنوان “من المهربين إلى سلاسل التوريد: كيف أصبحت حركة الحوثيين في اليمن تهديدًا عالميًا”، أن التكاليف التي تكبدها الاقتصاد العالمي جراء حملة جماعة الحوثيين الموالية لإيران باهظة.
فمنذ أكتوبر 2023، فرضت حملة الجماعة في البحر الأحمر- علي خلفية حرب غزة- مليارات الدولارات كتكاليف شحن إضافية على التجارة العالمية، واستلزمت عمليات بحرية دولية بأكثر من مليار دولار، هذا فضلًا عن مليار دولار تقدر كتكلفة عملية “راف رايدر” الأمريكية والتي استهلكت مئات الملايين من الدولارات في الذخائر الدفاعية.
وتهدد المخاطر البيئية الناجمة عن هجمات الحوثيين على ناقلات المواد الكيميائية وناقلات النفط بإلحاق أضرار كارثية بالنظم البيئية للبحر الأحمر والمجتمعات الساحلية. ولا يغطي أي مما سبق الضرر الذي ألحقته حملة البحر الأحمر بمصداقية الغرب في حماية التجارة وردع انتشار واستخدام تكنولوجيا الأسلحة الباليستية وغيرها من تكنولوجيات الأسلحة المتقدمة.
واستضافت بعثة المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة الدول الأعضاء في إحاطة خبراء أخيرًا، بمشاركة منظمة Conflict” Armament Research” ومؤسسة Century” International” ، ومشروع “XCEPT” حول شبكات تهريب الحوثيين للأسلحة.
وأكدت البعثة البريطانية أن هذا التحليل القائم على الأدلة يدعم عمل مؤسسات الأمم المتحدة ومداولات العقوبات، بما يعزز الجهود الدولية الرامية لتقويض سلاسل الإمداد غير المشروعة.
وقال التقرير إنه كلما تمكن الحوثيون من مواصلة مسارهم نحو تصنيع الأسلحة على نطاق واسع، ازداد خطرهم على المنطقة وعلى اليمنيين. كما توجد دوافع عملية ومصلحة ذاتية تدفع الولايات المتحدة ودولًا أخرى إلى التفكير مليًا في القدرات المتنامية للحوثيين.
وأشار التقرير إلى أن قدرات الحوثيين تعكس تباينًا في الجهود والرؤية الاستراتيجية. فبينما انتهجت إيران نهجًا استراتيجيًا طويل الأمد لبناء قدرات الحوثيين، وأثبت الحوثيون “براعتهم” في هذا النهج، إلا أن الجهود المضادة كانت تكتيكية وغير متسقة وغير منسقة، وعرقلتها أولويات متضاربة بين الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية.
وأضاف: “يبدو أن الحوثيين، مستغلين الانقسامات في مناطق الحكم، يوسعون نفوذهم وحضورهم اللوجستي عبر خطوط المواجهة في اليمن. ويشير نجاح الجماعة إلى أن استراتيجيات الاحتواء الإقليمي التقليدية باتت غير فعالة على نحو متزايد. فقد أمضى الحوثيون السنوات الثلاث التي تلت هدنة 2022 في تعزيز ترسانتهم من الأسلحة المتطورة، فضلًا عن ترسانتهم من الأسلحة الصغيرة التقليدية، ما يرجح كفة ميزان القوى على الأرض لصالحهم في حال اندلاع حرب برية واسعة النطاق داخل اليمن”.
واستنتج التقرير أن مشكلة الحوثيين تظهر كيف أن الصراعات الحديثة تحركها بشكل متزايد شبكات عابرة للحدود وعابرة للحدود الوطنية، تطمس الفواصل التقليدية بين الأنشطة المشروعة وغير المشروعة، وتعمل على نطاق واسع وبمستويات منخفضة نسبيًا من الاحتكاكات النظامية.
وتستفيد سلسلة إمداد الحوثيين من شبكات اجتماعية تمتد عبر التجارة المشروعة وغير المشروعة، ومن نظام اقتصادي عالمي ناشئ يدمج التدفقات المالية والتجارية المشروعة وغير المشروعة والرمادية، مع بقائه خارج الأطر التنظيمية الغربية.
وقد أتاح هذا النظام مساحة لجماعات مثل الحوثيين وشبكات مثل ما يسمّى “محور المقاومة” للوصول إلى مكونات عالية التقنية ومنخفضة التكلفة، ونقل الموارد بشكل فوري تقريبًا بأقل قدر من الرقابة، ما يشكل تحديًا جوهريًا لنهج السياسات الحالية التي تركز على العقوبات.
واعتبر التقرير أن “من أهم ما أنجزته إيران وحلفاؤها في محور المقاومة في اليمن هو تقديم نموذج للوصول إلى هذا النظام العالمي، ونموذج للإطار الاستراتيجي اللازم لاستغلال النظام إلى أقصى حد”.
ولا يقتصر تأثير هذا التحول في تداعياته على اختلال موازين القوى المتزايد داخل اليمن، بل إن تنامي قدرات الحوثيين ينذر بانزلاق اليمن أكثر في صراع القوى العظمى والمنافسة الإقليمية خارج ساحات الصراع الرئيسية التي ارتبطت بها الجماعة حتى الآن.
ويشير تزايد انخراط روسيا مع الحوثيين منذ غزوها لأوكرانيا، بما في ذلك التقارير عن خطط لنقل الأسلحة مباشرةً، إلى أن موسكو تنظر إلى الجماعة كحليف استراتيجي محتمل لتقويض المصالح الغربية وبسط نفوذها في ممر البحر الأحمر.
ويأتي هذا التشابك في وقت يوسّع فيه الحوثيون نفوذهم الإقليمي، لا سيما في القرن الأفريقي. وتشير التقارير إلى أن الحوثيين يعززون علاقاتهم مع جهات فاعلة في الصومال والسودان، ما يوحي بإمكانية تكرارهم لنهج إيران وحزب الله في اليمن. وهذا من شأنه أن يزوّد جماعات مثل حركة الشباب الصومالية بالخبرة التقنية والمعرفة التصنيعية، والأهم من ذلك، الوصول إلى الشبكات الاقتصادية البديلة التي مكّنت الحوثيين من التطور العسكري السريع.
إنتهى..


