صرف مرتبات الجيش بالبصمة.. خطوة لإغلاق ملف الأسماء الوهمية

أعاد توجه وزارة الدفاع نحو صرف مرتبات منتسبي القوات المسلحة مباشرة عبر البطاقات الذكية، بدلًا من تسليمها إلى قادة الوحدات أو مندوبيهم، فتح ملف اختلالات كشوفات الرواتب العسكرية، وأهمية إخضاعها للمراجعة والتدقيق، في ظل مخاوف من استمرار وجود أسماء وهمية أو مزدوجة تستنزف موارد الدولة على حساب الجنود الفعليين واحتياجات المؤسسة العسكرية.

وكان وزير الدفاع طاهر العقيلي أعلن اعتماد آلية جديدة لصرف المرتبات، تقضي بتحويلها مباشرة إلى مستحقيها عبر البطاقات الذكية، مشيرًا إلى أن بعض قادة الوحدات رفضوا الالتزام بالآلية، فيما وجهت الوزارة الدائرة المالية بمواصلة الصرف عبر البنوك والمصارف المعتمدة لضمان وصول المرتبات إلى مستحقيها.

ويرى مراقبون أن أهمية الآلية الجديدة لا تكمن في طريقة تسليم الراتب فقط، وإنما في قدرتها على ربط كشوفات القوات المسلحة بالوجود الفعلي للأفراد، والحد من قدرة أي طرف على الاستفادة من أسماء غير موجودة أو متكررة في قوائم الصرف.

ويقول مراقبون إن استمرار وجود أسماء وهمية في كشوفات القوات المسلحة يمثل أحد أخطر أشكال الهدر المالي، خصوصًا في ظل محدودية الموارد العامة وارتفاع الالتزامات التي تتحملها الدولة لتمويل المؤسسة العسكرية.

ويشيرون إلى أن الأموال التي تصرف لأسماء غير موجودة فعليًا لا تمثل خسارة مالية مجردة، بل تحرم القوات المسلحة من موارد يمكن توجيهها إلى رواتب الجنود الحقيقيين، والتسليح والذخائر والوقود والصيانة والتدريب والإمداد.

ويضيف المراقبون أن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تتحول الكشوفات غير الدقيقة إلى وسيلة لتضخيم حجم بعض الوحدات العسكرية، بما يؤدي إلى تحميل الموازنة أعباء لا تعكس القوة الفعلية الموجودة على الأرض.

تدقيق الكشوفات.. ضرورة عسكرية أيضًا

ولا تتوقف تداعيات ملف الرواتب عند الجانب المالي، إذ يرى مراقبون أن معرفة الحجم الحقيقي للقوات المسلحة تعد مسألة أساسية في التخطيط العسكري، فالكشوفات غير الدقيقة تجعل من الصعب على وزارة الدفاع تحديد القوة الفعلية لكل وحدة، واحتياجاتها من التسليح والتموين والوقود، كما تؤثر على عمليات إعادة الانتشار والتدريب وتقييم الجاهزية القتالية.

ويؤكد المراقبون أن المؤسسة العسكرية التي لا تمتلك قاعدة بيانات دقيقة عن منتسبيها تواجه صعوبة في بناء خطط عسكرية ومالية واقعية، خصوصًا في ظل استمرار المواجهات مع جماعة الحوثيين وتعدد الجبهات والاحتياجات العسكرية.

وبحسب هؤلاء، فإن تنظيف كشوفات المرتبات يجب أن يكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وليس مجرد إجراء مرتبط بعملية صرف الراتب، وذلك من خلال مطابقة الأسماء مع الموجودين فعليًا، ومراجعة حالات الانقطاع والتقاعد والوفاة، وكشف أي ازدواج وظيفي أو مالي.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن الانتقال إلى الصرف المباشر عبر البنوك والبطاقات الذكية يمكن أن يوفر حماية أكبر لحقوق العسكريين، من خلال تقليل الوسطاء وضمان وصول الراتب إلى صاحبه مباشرة.

ويشيرون إلى أن الجندي الفعلي سيكون المستفيد الأول من أي عملية إصلاح حقيقية لكشوفات المرتبات، لأنها تضع حدًا لأي استقطاعات أو تلاعب يمكن أن يحدث أثناء انتقال الراتب عبر أكثر من جهة.

ويشدد المراقبون على ضرورة أن ترافق عملية البصمة إجراءات واضحة تضمن عدم حرمان أي منتسب فعلي من راتبه بسبب أخطاء إدارية أو مشاكل في البيانات، مع منح العسكريين فرصة لتصحيح أوضاعهم واستكمال إجراءات الإثبات.

ويحذر مراقبون من أن تعطيل الانتقال إلى نظام الصرف المباشر أو إبقاء قنوات الصرف القديمة دون مبررات واضحة قد يعرقل جهود إصلاح كشوفات القوات المسلحة ويُبقي أبواب الهدر مفتوحة.

ويؤكدون أن أي اعتراض على آلية الصرف ينبغي أن يخضع للتقييم الإداري والقانوني، لكن لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطيل هدف أساسي يتمثل في التأكد من أن الأموال العامة تذهب إلى أصحابها الحقيقيين.

ويرى هؤلاء أن نجاح العملية يتطلب إرادة مؤسسية موحدة، وتعاون جميع الوحدات العسكرية، إلى جانب مراجعة دورية للكشوفات وربطها بالبيانات المالية والإدارية الفعلية.

الهدر المالي ينعكس على المعركة

ويربط مراقبون بين إصلاح ملف الرواتب وبين قدرة الحكومة على تمويل المعركة ضد الحوثيين، مؤكدين أن الموارد التي تهدر في أسماء وهمية أو كشوفات غير دقيقة تعني عمليًا تقليص الأموال المتاحة للإنفاق على القوات الموجودة في الجبهات.

ويقولون إن استمرار الحرب واستنزاف موارد الدولة يجعل ضبط الإنفاق العسكري أكثر إلحاحًا، خصوصًا أن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى موارد كبيرة لتغطية الرواتب والتسليح والإمداد والصيانة والتدريب.

ويحذر المراقبون من أن استمرار الاختلالات في كشوفات الرواتب قد يؤدي إلى استنزاف مزدوج؛ الأول مالي من خلال تحميل الموازنة رواتب غير مستحقة، والثاني عسكري من خلال حرمان القوات الفعلية من الموارد التي تحتاج إليها لرفع جاهزيتها.

ويؤكد المراقبون أن عملية تنظيف كشوفات القوات المسلحة يجب أن تتجاوز البصمة إلى مراجعة شاملة وشفافة للقوة الفعلية، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في تمرير أسماء وهمية أو الاستفادة من مرتباتها، باعتبار أن حماية المال العام في هذه الحالة ترتبط مباشرة بحماية المؤسسة العسكرية وتعزيز قدرتها على أداء مهمتها في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين.

You might also like