21 سبتمبر.. انقلابٌ حوثي أشعل نيران الكارثة في اليمن

منذ 21 سبتمبر 2014، دخل اليمن عصراً من أكثر عصور تاريخه كارثية، بعدما انقلبت مليشيا الحوثي مؤسسات على الدولة وسيطرت على العاصمة صنعاء وفرضت بقوة السلاح واقعاً جديداً على البلاد. ومنذ ذلك التاريخ، اتسعت الحرب، وتهاوى الاقتصاد، وتضاعفت أعداد النازحين والفقراء، وانحدرت الخدمات الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تحولت حياة ملايين اليمنيين إلى سلسلة متواصلة من الخوف والفقدان والمعاناة. وبعد اثني عشر عاماً، لا يزال ذلك اليوم حاضراً في واقع اليمنيين باعتباره نقطة انطلقت منها واحدة من أطول وأثقل مراحل الانهيار التي عرفتها البلاد.

لم يكن الانقلاب مجرد تغيير في موازين السلطة، بل كان بداية لسلسلة من الانهيارات التي طالت مختلف جوانب الحياة اليمنية. فمع اتساع الحرب، تضررت البنية التحتية، وتراجعت الخدمات العامة، وتدهورت قيمة العملة، وتقلصت فرص العمل، واتسعت دائرة الفقر والجوع، فيما اضطر ملايين اليمنيين إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب خلفت مئات الآلاف من الوفيات المباشرة وغير المباشرة، فيما قدر البرنامج عدد الوفيات المرتبطة بالصراع حتى نهاية عام 2021 بنحو 377 ألف شخص، بينهم من قضوا نتيجة القتال وآخرون بسبب الجوع والمرض وتدهور الخدمات. كما أدت الحرب إلى نزوح أكثر من أربعة ملايين يمني، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدها اليمن في تاريخه الحديث.

أما الاقتصاد، فكان من أكثر القطاعات تعرضاً لضربات الانقلاب والحرب. فقد أدى الانقسام السياسي والعسكري إلى انقسام المؤسسات الاقتصادية والنقدية، وتراجع الإيرادات، وتعطل قطاعات الإنتاج، وتدهور العملة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت باتت فيه ملايين الأسر تعتمد على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.

وتضاعفت الكارثة مع تراجع قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، بينما تعرضت قطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء والنقل لأضرار واسعة. وتحول تأخر الرواتب وتدهور الخدمات وارتفاع أسعار الغذاء والدواء إلى جزء من الحياة اليومية لملايين اليمنيين، في وقت استمرت فيه مليشيا الحوثي في توجيه موارد المناطق الخاضعة لسيطرتها لخدمة مشروعها السياسي والعسكري.

صنعاء.. عاصمة تحت قبضة المليشيا

وفي صنعاء، التي شكل سقوطها الشرارة الأولى للانهيار، تبدو آثار الانقلاب أكثر وضوحاً. فمنذ إحكام مليشيا الحوثي قبضتها على العاصمة، تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات مليشاوية، وأصبح المواطنون أمام واقع أمني وسياسي واقتصادي مختلف، تحكمه المليشيا وأجهزتها وشبكة واسعة من المشرفين والقيادات التابعة لها.

ولم تقتصر تداعيات ذلك على المؤسسات الرسمية، بل امتدت إلى المجتمع نفسه، مع تصاعد حملات الاعتقال والقمع والتجنيد والتعبئة، وفرض خطاب أحادي على الحياة العامة، في الوقت الذي تراجعت فيه مساحة العمل السياسي والمدني والإعلامي المستقل.

ورغم هذه الحصيلة الثقيلة، تواصل مليشيا الحوثي تنظيم الفعاليات وإطلاق الشعارات احتفاءً بـ21 سبتمبر، في مشهد يثير غضب أسر فقدت أبناءها خلال سنوات الحرب، وأخرى فقدت منازلها ومصادر دخلها واضطرت إلى النزوح من مناطقها.

وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يمثل 21 سبتمبر مناسبة للاحتفال، بل تاريخاً ارتبط بفقدان الدولة وبداية مرحلة طويلة من المعاناة. فخلف الشعارات التي ترفعها المليشيا تقف آلاف الأسر التي دفعت أثماناً باهظة للحرب، وملايين اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يختاروه.

كما أن الانقلاب لم يفتح الطريق أمام استقرار اليمن كما تدعي المليشيا، بل أسهم في تفجير صراع واسع استدعى تدخلات إقليمية ودولية، وأدخل البلاد في سنوات من المواجهات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأبقى اليمن عالقاً في أزمة مفتوحة يصعب تجاوز آثارها في وقت قصير.

وبعد اثني عشر عاماً على سقوط صنعاء، لا تزال نتائج ذلك اليوم حاضرة في تفاصيل حياة اليمنيين: دولة منقسمة، اقتصاد منهك، ملايين النازحين، خدمات متراجعة، ومجتمع أنهكته سنوات الحرب، ولهذا يبقى 21 سبتمبر، بعيداً عن الدعاية الحوثية ومحاولات إعادة صياغة الوقائع، أحد أكثر التواريخ قتامة في التاريخ اليمني الحديث؛ يوم سقطت فيه العاصمة تحت سطوة السلاح، وبدأت معه مرحلة دفعت البلاد إلى حرب طويلة، ولا يزال اليمنيون يدفعون كلفتها من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.

You might also like