يحتفي اليمنيون غداً الأربعاء بالعيد الـ63 لثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963، التي انطلقت شرارتها الأولى من جبال ردفان بمحافظة لحج، إيذاناً ببدء الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني الذي احتل عدن عام 1839، وانتهى وجوده بإعلان استقلال جنوب اليمن في 30 نوفمبر 1967، بعد نحو 128 عاماً من السيطرة الاستعمارية.
وجاءت الثورة امتداداً للنضال الوطني الذي شهدته البلاد عقب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، التي أطاحت بالحكم الإمامي وأعلنت قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن. وشارك أبناء من المحافظات الجنوبية في الدفاع عن الجمهورية، قبل أن يعود عدد منهم إلى مناطقهم ويواجهوا محاولات إخضاعهم للنفوذ البريطاني، لتندلع المواجهات في ردفان وتتحول إلى شرارة ثورة أكتوبر.
وقاد المناضل راجح غالب لبوزة المواجهات الأولى مع القوات البريطانية، واستشهد في بداية الثورة، لكن المقاومة استمرت واتسعت إلى الضالع والشعيب ودثينة والصبيحة وعدن ومناطق أخرى. وردت القوات البريطانية بحملات عسكرية واستخدام الطيران والأسلحة الثقيلة، غير أن ذلك لم ينجح في وقف تصاعد الكفاح المسلح واتساع المشاركة الشعبية.
ولم تكن ثورة أكتوبر معزولة عن الحركة الوطنية في الشمال، إذ أسهمت الاتصالات بين القيادات والمناضلين في توحيد الجهود المناهضة للاستعمار. وشكّل مكتب شؤون الجنوب في صنعاء، برئاسة قحطان الشعبي، مركزاً للتواصل والتنسيق، فيما تبلورت في مارس 1963 جهود سياسية وتنظيمية مهّدت لتشكيل الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل.
وتداخلت في الثورة أشكال متعددة من النضال، شملت العمليات المسلحة والإضرابات العمالية والمظاهرات والعمل السياسي، بمشاركة القبائل والنقابات والطلاب والقوى الوطنية. ومع اتساع المواجهات وتراجع قدرة بريطانيا على الاحتفاظ بنفوذها خارج عدن، تصاعدت الضغوط التي انتهت بإعلان استقلال جنوب اليمن في 30 نوفمبر 1967.
وتجسد ثورتا سبتمبر وأكتوبر ترابط مساري النضال الوطني؛ فقد واجهت ثورة سبتمبر الحكم الإمامي وأقامت النظام الجمهوري في الشمال، بينما خاضت ثورة أكتوبر معركة التحرر من الاستعمار البريطاني في الجنوب. والتقت الثورتان في أهداف إقامة نظام جمهوري وإنهاء أشكال الحكم الاستبدادي والاستعماري، بمشاركة يمنيين من مختلف المناطق.
واستمر مشروع الوحدة اليمنية حاضراً في مسار الحركة الوطنية بعد الاستقلال، وصولاً إلى إعلان الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990. غير أن الصراعات والأزمات اللاحقة كشفت تحديات كبيرة أمام بناء مؤسسات الدولة وتحقيق المشاركة السياسية والعدالة، وأكدت أهمية حماية النظام الجمهوري وترسيخ سيادة القانون ومعالجة المظالم بعيداً عن العنف والانقسام.
وتعيد ذكرى ثورة 14 أكتوبر إلى الواجهة تضحيات اليمنيين في سبيل الحرية والاستقلال، والدور الذي أداه أبناء الشمال والجنوب في مواجهة الحكم الإمامي والاستعمار البريطاني. كما تمثل المناسبة فرصة لاستحضار قيم الجمهورية والمواطنة المتساوية، والتأكيد على أهمية استعادة مؤسسات الدولة وحماية استقلال القرار الوطني وتعزيز وحدة اليمنيين في مواجهة مشاريع التمزيق.
وتظل ثورة أكتوبر، إلى جانب ثورة سبتمبر، من أبرز محطات التاريخ اليمني الحديث، بما حملته من تضحيات وتعاون بين القوى الوطنية لتحقيق التحرر والاستقلال. وتبقى دلالاتهما مرتبطة بتطلعات اليمنيين إلى دولة مستقرة تقوم على الحرية والعدالة والمشاركة السياسية، وتصون حقوق مواطنيها وتستوعب مختلف مكونات المجتمع.


