تشهد الأسواق اليمنية قبيل عيد الأضحى المبارك موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار الأضاحي واللحوم، أثارت حالة واسعة من السخط الشعبي، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية بالغة القسوة، دفعت آلاف الأسر إلى العجز عن شراء الأضحية للعام الثالث على التوالي.
وأكد مواطنون أن أسعار الأضاحي هذا الموسم بلغت مستويات قياسية، إذ تراوح سعر الرأس الواحد من الأغنام بين 300 ألف و400 ألف ريال يمني في عدن، مع تفاوت بسيط من منطقة إلى أخرى، بينما تجاوزت أسعار اللحوم قدرة المواطن البسيط، ما جعل أداء هذه الشعيرة الدينية حلمًا بعيد المنال لكثير من العائلات.
ويرجع تجار مواشٍ ومزارعون جزءًا كبيرًا من هذا الارتفاع إلى الجبايات والإتاوات المتعددة التي تُفرض عليهم في مراحل الإنتاج والنقل والتسويق، سواء في مناطق سيطرة جماعة الحوثي أو في بعض مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا.
وأوضح عاملون في قطاع الثروة الحيوانية أن المربين يواجهون أعباء مالية متزايدة، تشمل رسومًا غير قانونية على الأعلاف، ورسوم مرور ونقاط جباية، إضافة إلى إتاوات تُفرض على نقل المواشي بين المحافظات، ما يرفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير قبل وصول الأضاحي إلى الأسواق.
وأشاروا إلى أن هذه الجبايات تُفرض دون أي مقابل خدمي أو دعم حقيقي للقطاع الزراعي والحيواني، ما يضطر التجار إلى تحميل المستهلك النهائي كامل هذه الأعباء، في ظل غياب الرقابة وضعف دور الجهات المختصة.
إلى جانب ذلك، ساهم الانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية في تفاقم الأزمة، حيث أدى تراجع سعر الصرف إلى ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، والأدوية البيطرية، ومستلزمات تربية المواشي، وهي عوامل انعكست مباشرة على أسعار الأضاحي واللحوم.
ويرى اقتصاديون أن ضعف العملة، وغياب سياسات اقتصادية فعّالة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خلقت حلقة مفرغة من الغلاء لا يستطيع المواطن كسرها، في ظل دخول ثابتة أو شبه معدومة.
رواتب مقطوعة ومعاناة إنسانية
من الناحية الإنسانية، يربط المواطنون هذا الغلاء بعجزهم الكامل عن مجاراة الأسعار، في وقت لا تزال فيه رواتب مئات الآلاف من الموظفين العموميين مقطوعة منذ سنوات في مناطق سيطرة الحوثيين، بينما تعاني مناطق الحكومة الشرعية من تأخر صرف المرتبات لعدة أشهر، ما فاقم من حالة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
ويؤكد موظفون حكوميون أن انقطاع الرواتب أو تأخرها حرم أسرهم من أبسط متطلبات الحياة، فضلًا عن القدرة على شراء الأضاحي، ما حول عيد الأضحى من مناسبة للفرح والتكافل إلى مصدر إضافي للألم والشعور بالعجز.
وفي ظل هذا الواقع، طالب المواطنون الجهات الحكومية والسلطات المحلية بالتدخل العاجل لضبط الأسواق، ووقف الجبايات غير القانونية، ومراقبة أسعار المواشي واللحوم، إضافة إلى اتخاذ خطوات جدية لمعالجة أزمة الرواتب وتحسين الوضع المعيشي.
كما دعا الأهالي التجار والباعة إلى مراعاة الظروف القاسية التي يمر بها المجتمع، والتحلي بالمسؤولية الأخلاقية والدينية في موسم يفترض أن يكون عنوانًا للتراحم والتكافل، لا موسمًا لمراكمة الأرباح على حساب معاناة الفقراء.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع دون حلول حقيقية ينذر بتوسّع الفجوة الاجتماعية، وتحول شعائر العيد إلى طقوس حصرية على القادرين فقط، في بلد أنهكته الحرب والفقر، وتآكلت فيه قدرة الإنسان على الفرح.


