شبوة l ​”وآلة” عسيلان.. حيث تروي الآثار أمجاد الماضي، ويكتب الحاضر فصول العذاب اليومي

على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرق المركز الإداري لمديرية عسيلان بمحافظة شبوة، تتبدد سراب الصحراء لتكشف عن بلدةٍ تكثّف تفاصيل الحكاية اليمنية بأسرها (عظمة الماضي، وبؤس الحاضر) هنا تقع منطقة “وآلة”.
في عقودٍ زمنية خلت، لم تكن هذه الأرض سوى ممر عابر لبضعة أفراد من أبناء قبيلة “آل سحاق”، يقتفون أثر المطر ويمضون خلف كَلأِ المرعى، أما اليوم، فقد نفضت “وآلة” عنها غبار العزلة المؤقتة، لتتحول بقرارٍ من أهاليها الذين أرادوا إحياءها إلى منطقة آهلة، تضم عشرات المنازل النابضة بالحياة ومئات الأفراد الذين اختاروا الاستقرار والتشبث بتراب الأجداد لكن هذا الاستقرار جاء مثقلاً بوجع الخذلان؛ فالمنطقة تبدو وكأنها سقطت تماماً من حسابات الزمن والخرائط الرسمية للدولة، حيث تغيب عنها أدنى مقومات الحياة البشرية!

رحلة إلى قلب “هَجَر وآلة”.. عبق قتبان يعبث به السيل والعابثون

تلبيةً لدعوة الشيخ عبدالعزيز مبارك الرادي السحاقي، أحد أعيان ووجهاء “وآلة”، شددتُ الرحال إلى المنطقة لاستطلاع هموم سكانها بالصوت والصورة ..طبعا لم يكن الوصول سهلاً وسط طرقات وعرة، لكن كرم الاستقبال وحفاوة أبناء القبيلة أنسيانا عناء الطريق
فبعد استراحة قصيرة، رافقتُ الشيخ عبدالعزيز على متن سيارته في جولة إستطلاعية ، حيث كانت وجهتنا الأولى موقعاً يفيض هيبة ويفوح منه عبق التاريخ يُدعى “هَجَر وِآلة”؛ وهو موقع أثري دثّرته الرمال، تشير معالمه إلى أنه يعود إلى الحقبة القتبانية القديمة قبل الوصول، أشار الشيخ بيده قائلاً: “هذه بئر قتبانية قديمة تسمى بئر كرامه.. كما ترى، البئر مفتوحة ومبنية بالحجر دون أي غطاء يحمي الأطفال، أو السكان، أو عابري السبيل من السقوط فيها”!
ثم واصلنا السير نحو الموقع الأثري، وعندما ترجلنا للتجول بين أطلاله، وقف الشيخ عبدالعزيز الرادي يشير بيده بحسرة نحو بقايا الجدران قائلاً:
“كانت هذه المباني مصونة داخل سور يحميها، وكانت معالمها الأثرية سليمة إلى وقت قريب لكنها اليوم تعرضت لتخريب مزدوج قسوة السيول التي جرفت أركانها، وعبث بعض المواطنين نتيجة غياب الوعي الأثري”.
وأضاف بنبرة عتب مريرة:
“لقد طرقنا أبواب السلطة المحلية السابقة في مديرية عسيلان مراراً، وقدمنا بلاغات رسمية بضرورة وضع حمايات للموقع من جرف السيول والعابثين، ولكن للاسف لم نتلقَ أي تجاوب، لتُترك هذه الكنوز لمواجهة مصيرها المحتوم”.
أثناء تجوالي في الموقع، شاهدتُ مبانٍ مذهلة مبنية من الحجر الصلب، قاومت أجزاء منها الزحف الرملي العنيف، رغم وجود حفر عشوائية في بعضها وفي وسط أحد المباني، تبرز بئر ذات فوهة صغيرة، علّق عليها الشيخ عبدالعزيز قائلاً: “شف هذا المكان.. يبدو أنه كان المعبد الرئيسي للمدينة التاريخية، لأن تصميمه يختلف تماماً عن بقية المباني المجاورة”.
ولم ينتهِ ثراء “وآلة” التاريخي هنا؛ إذ صعدنا صوب جبال المنطقة، حيث كشف لنا الشيخ عن مقابر صخرية أثرية ووجود نقوش وخربشات قديمة بخط المسند”  القديم.
هناك آبار تنتشر في المساحات الصحراوية الممتدة، كانت يوماً شريان حياة لقوافل التجارة القديمة، مما يؤكد أن المنطقة كانت مركزاً حضارياً واقتصادياً هاماً.

ولمعرفة المزيد عن قيمة هذا الموقع، تواصلتُ مع الأخ العزيز خيران محسن الزبيدي، مدير عام فرع الهيئة العامة للآثار بمحافظة شبوة، وبسؤاله عن “هجر وآلة” وأبرز نتائج التنقيب فيه، أفاد قائلاً:
“مرحباً بك.. هذا الموقع مصنف ضمن خمسة مواقع أثرية رئيسية مسجلة لدينا في الشريط الصحراوي بالمحافظة، لكنه لم يشهد حتى الآن أي عمليات تنقيب علمي أو دراسة واسعة، رغم أنه يُعد من القرى الأثرية القتبانية الهامة”.
وعندما أطلعته على حجم العبث والدمار الذي يهدد الموقع جراء السيول، أجاب بأسف يحز في القلب: “للأسف الشديد ياخ زَبين ، لا نمتلك في الهيئة الإمكانيات المادية لوضع حراسات ثابتة لحمايتها أو وضع سياجات عليها”.

واقع يدمي القلوب.. العطش والظلام وتعليم “المستودعات”

إذا كان باطن أرض “وآلة” يزخر بأمجاد الماضي، فإن ظاهرها يروي فصولاً من العذاب اليومي اللإنساني في هذه البلدة، لا تبدأ الحياة بفتح صنبور ماء، بل برحلة شاقة يقطعها الأهالي لمسافة تصل إلى خمسة كيلومترات كاملة تحت لهيب الشمس الحارقة لتأمين شربة ماء نظيفة.
يترافق عطش الأرض مع ظلام دامس يلف المنازل بمجرد غروب الشمس، جراء الغياب التام لشبكة الكهرباء، لتغرق البلدة في عزلة خانقة وكأنها خارج حدود القرن الحادي والعشرين .
أما المعاناة الأشد إيلاماً، فتتجلى في عيون جيل الغد؛ فبسبب انعدام وجود مبنى مدرسي، لم يستسلم أطفال “وآلة” للجهل، بل اضطروا لافتراش الأرض في زوايا ضيقة وداخل غرفة أحد المنازل السكنية، يزاحمون بعضهم بعضاً لمواصلة تعليمهم الأساسي في بيئة لا تليق بكرامة طالب علم، في حين يضطر طلاب المراحل الإعدادية والثانوية لتجشم عناء الانتقال والنزوح إلى مناطق أخرى لمواصلة تعليمهم .

الموت في منتصف الطريق.. غياب تام للمرافق الصحية

يبقى الجرح الأكبر والأكثر نزفاً في “وآلة” هو الجانب الصحي؛ فالمنطقة تفتقر تماماً لأي وحدة صحية، أو طبيب، أو حتى صندوق إسعافات أولية بسيط.
يروي الأهالي بمرارة وألم مكتوم كيف أن الحالات الطارئة—وخاصة مخاض النساء، أو لدغات العقارب والأفاعي السامة، والأمراض المفاجئة—تتحول سريعاً إلى مشاريع موت حتمي ففي كثير من الأحيان، ربما يدرك الموتُ المريضَ في منتصف الطريق الرملية الوعرة، وقبل أن تتمكن السيارة من قطع المسافة الطويلة للوصول إلى أقرب مستشفى في مركز المديرية.

نداء أخير..

إن وضع منطقة “وآلة” بمديرية عسيلان يضع الجهات الحكومية المسؤولية، والسلطة المحلية بمحافظة شبوة، والمنظمات الإنسانية الدولية والمحلية، أمام اختبار حقيقي لإنسانيتها وضَميرها.
إن إنقاذ هذه الأرواح من خلال توفير:
1. مشروع لمياه الشرب النقية.
2. بناء مدرسة أساسية تحمي الأطفال.
3. إنشاء مركز صحي طارئ.
4. ربط المنطقة بالتيار الكهربائي من اي محطة .
كل هذه المطالب ليست مجرد “مشاريع خدمية” رفاهية، بل هي رد اعتبار لتاريخ هذه الأرض العريقة، وحق إنساني مشروع لإنقاذ بشر يفتك بهم الإهمال والنسيان وسط قسوة الصحراء.. فهل من مجيب يعيد لـ “وآلة” نبض الحياة قبل أن يفوتها قطار التنمية تماماً؟!

You might also like