ليس السابع عشر من يوليو مجرد تاريخ في الذاكرة السياسية اليمنية، بل محطة مفصلية أعادت رسم مسار الدولة، وأطلقت مرحلة جديدة من الاستقرار وبناء المؤسسات وصياغة سياسة خارجية اتسمت بالحكمة والاتزان. فمنذ تولي الرئيس علي عبدالله صالح قيادة البلاد عام 1978، دخلت اليمن مرحلة مختلفة، انتقلت فيها من الارتباك السياسي إلى وضوح الرؤية، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات، ومن العزلة والاستقطاب إلى الحضور الفاعل في محيطها العربي والإقليمي والدولي.
جاء هذا التحول في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الدولي تعقيدًا، حيث كانت الحرب الباردة في ذروتها، والعالم منقسمًا بين معسكرين متصارعين، وكانت الدول الصغيرة تدفع ثمن الانحياز لهذا الطرف أو ذاك. وفي خضم تلك التوازنات الدقيقة، اختارت القيادة اليمنية نهجًا مختلفًا، يقوم على الحياد الإيجابي، وعدم الانحياز، والانفتاح المتوازن على مختلف القوى الدولية، مع التمسك بالثوابت الوطنية والقومية، وفي مقدمتها رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني والدفاع عن الحقوق العربية.
هذا النهج لم يكن مجرد شعار سياسي، بل تحول إلى سياسة عملية انعكست على مكانة اليمن وعلاقاتها الخارجية. فقد نجحت البلاد في بناء شراكات متوازنة مع الشرق والغرب، وعززت حضورها في المحافل الدولية، وأسهمت في ترسيخ علاقات مستقرة مع دول الجوار، واعتمدت الحوار والدبلوماسية وسيلة لمعالجة الخلافات، بعيدًا عن المغامرات والصراعات التي كانت تعصف بالمنطقة.
وقد انعكست نتائج هذه السياسة على الداخل اليمني بصورة مباشرة، إذ انطلقت مشاريع استراتيجية أسهمت في بناء الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها إعادة بناء سد مأرب، وتطوير قطاع النفط والغاز، وتوسيع البنية التحتية، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار. وتوجت هذه المرحلة بتحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، باعتبارها أعظم منجز سياسي ووطني في تاريخ اليمن الحديث.
وفي الوقت نفسه، حافظت اليمن على حضورها القومي، وظلت القضية الفلسطينية في صدارة أولويات سياستها الخارجية، حيث تبنى الرئيس علي عبدالله صالح مواقف داعمة سياسيًا ودبلوماسيًا للشعب الفلسطيني، وسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية، كما ساند لبنان وسوريا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ودعا باستمرار إلى تعزيز العمل العربي المشترك، وتطوير منظومة جامعة الدول العربية بما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية.
ولم يقتصر الدور اليمني على الإطار العربي، بل امتد إلى العمق الأفريقي، حيث أسهمت في دعم الاستقرار الإقليمي، كما قدمت نموذجًا في حل النزاعات بالوسائل السلمية، من خلال ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، واستعادة السيادة على جزر حنيش عبر التحكيم الدولي، في تجربة أكدت احترام اليمن للقانون الدولي وقدرتها على صون حقوقها بالحكمة والدبلوماسية.
لقد مثل السابع عشر من يوليو نقطة تحول حقيقية في مسيرة الدولة اليمنية، إذ رسخ سياسة خارجية متوازنة، وفتح أمام اليمن آفاقًا واسعة للحضور الإقليمي والدولي، ورسخ صورة البلاد كشريك موثوق، ودولة تمتلك مقومات سياسية واقتصادية واستراتيجية تؤهلها لأن تكون لاعبًا مؤثرًا في محيطها، وبوابة استثمارية واعدة على امتداد المنطقة.
واليوم، وبعد عقود من التحولات التي شهدتها اليمن، يبقى السابع عشر من يوليو حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره محطة ارتبطت ببداية مرحلة سياسية تركت بصمتها في تاريخ الدولة، وشكلت أحد أبرز الفصول في مسار السياسة الخارجية اليمنية وبناء علاقاتها الإقليمية والدولية.
Read Full Article