تحرير “الدولار الجمركي”..جراحة مالية لإنقاذ الخزينة العامة أم عبء جديد يثقل كاهل المواطن؟

 شهدت الأوساط الاقتصادية والشعبية موجة واسعة من الجدل إثر إعلان الحكومة عن قرارها بتحرير سعر الصرف الجمركي، ورفعه من نحو 750 ريالاً للدولار إلى أكثر من 1500 ريال للدولار الواحد (بنسبة زيادة تتجاوز 108%). وفيما تدافع الحكومة عن الخطوة بوصفها جزءاً من حزمة إصلاحات مالية شاملة، يرى خبراء ومراقبون أن القرار يحمل في طياته مخاطر تضخمية واجتماعية مالم يترافق مع حزمة إصلاحات هيكلية حقيقية وضوابط صارمة على الأرض.

 لحماية الاقتصاد ومواجهة الاحتكار
في اجتماعها الأخير، أكدت الحكومة أن قرار رفع سعر الدولار الجمركي لا يستهدف السلع الأساسية، بل يركز بصورة رئيسية على السلع الكمالية وغير الأساسية وأوضحت الحكومة أن هذه الخطوة تأتي ضمن توجه حكومي شامل للإصلاح الإداري والمالي، ويهدف لتفعيل دور “اللجنة العليا للمناقصات” للرقابة على الإجراءات التعاقدية للجهات الحكومية.
وتعبيراً عن إدراكها لحجم المعاناة التي يواجهها المواطنون نتيجة التحديات الاقتصادية والخدمية الراهنة، أقرت الحكومة حزمة من التدابير التخفيفية بالتزامن مع القرار، تضمنت اعتماد صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لجميع موظفي الدولة وتنفيذ العلاوات السنوية المستحقة للأعوام بين 2021 و2024 و معالجة أوضاع التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عاماً.
كما وجهت الحكومة الجهات المختصة بتكثيف الإجراءات الرقابية والميدانية لمنع أي استغلال للقرار في فرض زيادات سعرية غير مبررة.

رأي الكاتب والناشط الصحفي (راسخ بامسلم): غياب الإصلاحات و”تخدير” الشارع في المقابل، يتبنى الصحفي راسخ بامسلم قراءة سياسية وإدارية حادة للقرار، معتبراً أن خطوة تحرير الدولار الجمركي جاءت مجتزأة وقوبلت بالرفض سبع مرات في عهد رئيس الوزراء السابق.
ويشير بامسلم إلى أن القرار الرئاسي رقم (11) لسنة 2025م يشترط بوضوح عدم تحرير الدولار الجمركي إلا بعد إجراء كافة الإصلاحات الهيكلية الواردة فيه. ويرى أن خطوة الحكومة الحالية برئاسة د. شايع الزنداني، والاكتفاء بمنح 20% كبدل غلاء معيشة، هي بمثابة “تخدير للمواطن” في وقت يعاني فيه الشعب من انقطاع المرتبات لعدة أشهر، وتصاعد أسعار الوقود والمواد الغذائية. وجه بامسلم نصيحة مباشرة لرئيس الوزراء بضرورة تنفيذ الإصلاحات بحملة صادقة لمراجعة الأسعار، أو تقديم استقالته احتراماً لتاريخه الدبلوماسي.
وأشار الأكاديمي الاقتصادي (د. علي ناصر الزامكي): معضلة “طبقات التكلفة الخمس”
منظور أكاديمي أعمق يقدمه د. علي ناصر الزامكي (أستاذ الإدارة المالية المشارك ومساعد نائب رئيس جامعة عدن)، حيث يؤكد أن تقييم القرار لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المالي أو الجمركي البحتي، بل يجب تفكيكه ضمن سلسلة التكلفة الكاملة للاستيراد في البلاد.
يوضح د. الزامكي أن الأزمة تكمن في تراكم خمس طبقات من التكاليف المضافة قبل وبعد الجمارك، وهي:
1. تكلفة المخاطر الدولية: ارتفاع تأمين الحرب ورسوم مخاطر البحر الأحمر وأجور الشحن ومسارات السفن.
2. **احتكار النقل الداخلي:وجود شبكات ونقابات تفرض ناقلين محددين وتسعيرات إلزامية تمنع التنافس الحر.
3. الجبايات والرسوم غير القانونية: وهي “ضرائب غير رسمية” تُفرض عند النقاط وبوابات الموانئ خارج الموازنة، مما يخلق ضريبة مزدوجة على القطاع الخاص.
4. تعثر القرار الرئاسي رقم (11) لعام 2025م: ضعف تنفيذ هذا القرار المعني بتوحيد الأوعية الإيرادية يفرغ تحرير الجمارك من مضمونه، ويجعل الملتزم يدفع أكثر بينما يستمر التسرب المالي.
5. التهرب والتلاعب بالفواتير:الارتفاع الحاد في الرسوم يدفع التجار تلقائياً نحو تزوير بلد المنشأ وتخفيض قيم الفواتير، مما قد يأتي بنتيجة عكسية ويقلل الإيرادات الصافية للدولة.
ويرى الزامكي أن نجاح القرار مرهون بحزمة متزامنة لإدارة اللوجستيات، وإزالة الجبايات، وحوكمة المنافذ.
 

وأكد المحلل الاقتصادي (وحيد الفودعي): أن لغة الأرقام وتأثير الصدمة الجمركية
من زاوية مالية وحسابية دقيقة، أن الترويج لارتفاع أسعار السلع بنسبة 108% (موازاة لارتفاع الدولار الجمركي) هو أمر “مضلل وغير دقيق”، لأن الزيادة تقع على قيمة الرسوم الجمركية فقط وليس على إجمالي كلفة السلعة.
وقدم الفودعي محاكاة رقمية لأثر القرار على المستهلك وفقاً لنسب الجمارك:
السلع الأساسية (0% جمارك): الأثر النهائي عليها هو (صفر) لأنها معفاة تماماً قانوناً.
السلع ذات الرسوم (5%): الأثر النهائي على سعر البيع للمستهلك لن يتجاوز 2.13%فقط (إذا تم احتساب التكلفة وربح التاجر بصورة صحيحة).
السلع ذات الرسوم (10%): الأثر النهائي على سعر المستهلك يبلغ نحو 4.19%فقط.
ويخلص الفودعي إلى أن الأثر الحقيقي على المواطن محدود “نظرياً”، بينما يمكن أن يضاعف إيرادات الدولة الجمركية بنسبة 108%. ولكي يتحقق هذا السيناريو المثالي، طالب الفودعي الحكومة بـ 9 خطوات عاجلة، أبرزها: تفعيل الرقابة السعرية الميدانية، إلزام التجار بإبراز هيكل التكلفة، مكافحة التهرب والتلاعب بالفواتير، وأتمتة العمل الجمركي لضمان ذهاب هذه الأموال للخزينة العامة لتمويل المرتبات والخدمات.

يضع قرار تحرير الدولار الجمركي الحكومة اليمنية أمام اختبار حقيقي؛ فبين الأرقام المطمئنة التي تسوقها لغة الاقتصاد الحسابية (تأثير تضخمي لا يتجاوز 5% للسلع غير المعفاة)، وبين الواقع المشوه على الأرض المليء بالجبايات غير القانونية، واحتكار النقل، وضعف الرقابة، يبدو أن الفيصل في نجاح هذا القرار من فشله ليس النص المكتوب، بل قدرة الدولة على بسط سيادتها المالية، وكبح جماح الجشع التجاري، وتحويل الإيرادات الجديدة إلى خدمات ومخرجات يلمسها المواطن في حياته اليومية.
 

You might also like